الغزالي
230
إحياء علوم الدين
وإن أحيل ذلك على الحاجة ، فالحاجة أيضا ماسة إلى هذا ، فلا فرق بين طرح الماء في أجانة فيها ثوب نجس ، أو طرح الثوب النجس في الأجانة فيها ماء ، وكل ذلك معتاد في غسل الثياب والأواني والخامس : أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة ، ولا خلاف في مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه إذا وقع بول في ماء جار ولم يتغير أنه يجوز التوضؤ به وإن كان قليلا ، وأيّ فرق بين الجاري والراكد . وليت شعري هل الحوالة على عدم التغير أولى أو على قوّة الماء بسبب الجريان ؟ ثم ما حدّ تلك القوة : أتجري في المياه الجارية في أنابيب الحمامات أم لا ؟ فإن لم تجر فما الفرق ، وإن جرت فما الفرق بين ما يقع فيها وبين ما يقع في مجرى الماء من الأواني علي الأبدان وهي أيضا جارية ؟ ثم البول أشد اختلاطا بالماء الجاري من نجاسة جامدة ثابتة إذا قضى بأن ما يجرى عليها وإن لم يتغير نجس إلى أن يجتمع في مستنقع قلتان ، فأي فرق بين الجامد والمائع والماء واحد والاختلاط أشد من المجاورة ؟ والسادس : أنه إذا وقع رطل من البول في قلتين ، ثم فرقتا فكل كوز يغترف منه طاهر ، ومعلوم أن البول منتشر فيه وهو قليل ، وليت شعري : هل تعليل طهارته بعدم التغير أولى أو بقوة كثرة الماء بعد انقطاع الكثرة وزوالها مع تحقق بقاء أجزاء النجاسة فيها والسابع : أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ فيها المتقشفون ويغمسون الأيدي والأواني في تلك الحياض مع قلة الماء ، ومع العلم بأن الأيدي النجسة والطاهرة كانت تتوارد عليها فهذه الأمور مع الحاجة الشديدة تقوى في النفس أنهم كانوا ينظرون إلى عدم التغير ، معوّلين على قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « خلق الماء طهورا لا ينجسّه شيء إلَّا ما غيّر طعمه أو لونه أو ريحه » وهذا فيه تحقيق ، وهو أن طبع كل مائع أن يقلب إلى صفة نفسه كل ما يقع فيه وكان مغلوبا من جهته ، فكما ترى الكلب يقع في المملحة فيستحيل ملحا ، ويحكم بطهارته بصيرورته ملحا وزوال صفة الكلبية عنه ، فكذلك الخل يقع في الماء ،