الغزالي
228
إحياء علوم الدين
ولا يعفى عن شيء من هذه النجاسات قليلها وكثيرها إلا عن خمسة : ( الأول ) أثر النجو بعد الاستجمار بالأحجار يعفى عنه ما لم يعد المخرج ( الثاني ) طين الشوارع وغبار الروث في الطريق . يعفى عنه مع تيقن النجاسة بقدر ما يتعذر الاحتراز عنه ، وهو الذي لا ينسب المتلطخ به إلى تفريط أو سقطة ( الثالث ) ما على أسفل الخف من نجاسة لا يخلو الطريق عنها ، فيعفى عنه بعد الدلك للحاجة ( الرابع ) دم البراغيث ما قل منه أو كثر ، إلا إذا جاوز حد العادة ، سواء كان في ثوبك أو في ثوب غيرك فلبسته ( الخامس ) دم البثرات وما ينفصل منها من قيح وصديد . وذلك ابن عمر رضي الله عنه بثرة على وجهه ، فخرج منها الدم وصلَّى ولم يغسل . وفي معناه ما يترشح من لطخات الدماميل التي تدوم غالبا ، وكذلك أثر الفصد إلا ما يقع نادرا من خرّاج أو غيره فيلحق بدم الاستحاضة ، ولا يكون في معنى البثرات التي لا يخلو الإنسان عنها في أحواله . ومسامحة الشرع في هذه النجاسات الخمس تعرفك أن أمر الطهارة على التساهل ، وما ابتدع فيها وسوسة لا أصل لها الطرف الثاني في المزال به وهو إما جامد ، وإما مائع . أما الجامد فحجر الاستنجاء ، وهو مطهر تطهير تجفيف ، بشرط أن يكون صلبا طاهرا منشفا غير محترم وأما المائعات فلا تزال النجاسات بشيء منها إلا الماء ، ولا كل ماء بل الطاهر الذي لم يتفاحش تغيره بمخالطة ما يستغنى عنه ويخرج الماء عن الطهارة بأن يتغير بملاقاة النجاسة طعمه . أو لونه . أو ريحه ، فإن لم يتغير وكان قريبا من مائتين وخمسين منّا وهو خمسمائة رطل برطل العراق ، لم ينجس ، لقوله صلَّى الله عليه وسلم : [ 1 ] « إذا بلغ الماء قلَّتين لم يحمل خبثا » وإن كان دونه صار نجسا عند الشافعي رضي الله عنه . هذا في الماء الراكد