الغزالي

224

إحياء علوم الدين

الوسوسة وتخيل العقل أن الطهارة المطلوبة الشريفة هي هذه فقط ، وجهالة بسيرة الأولين واستغراقهم جميع الهم والفكر في تطهير القلب ، وتساهلهم في أمر الظاهر ، حتى أن عمر رضي الله عنه مع علوّ منصبه توضأ من ماء في جرة نصرانية ، وحتى أنهم ما كانوا يغسلون اليد من الدسومات والأطعمة ، بل كانوا يمسحون أصابعهم بأخمص أقدامهم ، وعدوا الأشنان من البدع المحدثة ، ولقد كانوا يصلون على الأرض في المساجد ويمشون حفاة في الطرقات ، ومن كان لا يجعل بينه وبين الأرض حاجزا في مضجعه كان من أكابرهم ، وكانوا يقتصرون على الحجارة في الاستنجاء ، وقال أبو هريرة وغيره من أهل الصفة [ 1 ] « كنّا نأكل الشّواء فتقام الصّلاة فندخل أصابعنا في الحصى ثمّ نفركها بالتّراب ونكبّر » وقال عمر رضي الله عنه [ 2 ] « ما كنّا نعرف الأشنان في عصر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم » وانما كانت مناديلنا بطون أرجلنا كنا إذا أكلنا الغمر مسحنا بها ، ويقال أول ما ظهر من البدع بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أربع : المناخل ، والأشنان ، والموائد ، والشبع ، فكانت عنايتهم كلها بنظافة الباطن حتى قال بعضهم : الصلاة في النعلين أفضل ، لأن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « لمّا نزع نعليه في صلاته بإخبار جبرائيل عليه السلام له أنّ بهما نجاسة » وخلع الناس نعالهم ، قال صلَّى الله عليه وسلم « لم خلعتم نعالكم ؟ » وقال النخعي في الذين يخلعون نعالهم : وددت لو أن محتاجا جاء إليها فأخذها ، منكرا لخلع النعال ، فكذا كان تساهلهم في هذه الأمور ، بل كانوا يمشون في طين الشوارع حفاة ، ويجلسون عليها ، ويصلون في المساجد على الأرض ، ويأكلون من دقيق البر والشعير ، وهو يداس بالدواب وتبول عليه ولا يحترزون من عرق الإبل والخيل مع كثرة تمرغها في النجاسات ، ولم ينقل قط عن أحد منهم سؤال في دقائق النجاسات ، فهكذا كان تساهلهم فيها ، وقد انتهت النوبة الآن إلى طائفة يسمون الرعونة نظافة ، فيقولون هي مبنى