الغزالي

193

إحياء علوم الدين

الجزء الثّاني [ تتمة ربع العبادات ] [ تتمة كتاب قواعد العقائد ] [ تتمة الفصل الثالث ] الركن الثالث : العلم بأفعال الله تعالى ، ومداره على عشرة أصول الأصل الأول العلم بأن كل حادث في العالم فهو فعله وخلقه واختراعه ، لا خالق له سواه ولا محدث له إلا إياه ، خلق الخلق وصنعهم ، وأوجد قدرتهم وحركتهم ، فجميع أفعال عباده مخلوقه له ، ومتعلقة بقدرته ، تصديقا له في قوله تعالى : * ( الله خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) * وفي قوله تعالى : * ( - والله خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ ) * وفي قوله تعالى * ( وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا به إِنَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . أَلا يَعْلَمُ من خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) * أمر العباد بالتحرز في أقوالهم وأفعالهم وإسرارهم وإضمارهم ، لعلمه بموارد أفعالهم واستدل على العالم بالخلق ، وكيف لا يكون خالقا لفعل العبد وقدرته تامة لا قصور فيها ، وهي متعلقة بحركة أبدان العباد ، والحركات متماثلة ، وتعلق القدرة بها لذاتها ؟ فما الذي يقصر تعلقها عن بعض الحركات دون البعض مع تماثلها ؟ أو كيف يكون الحيوان مستبدا بالاختراع ويصدر من العنكبوت والنحل وسائر الحيوانات من لطائف الصناعات ما يتحير فيه عقول ذوي الألباب ؟ فكيف انفردت هي باختراعها دون رب الأرباب وهي غير عالمة بتفصيل ما يصدر منها من الاكتساب ؟ هيهات هيهات ! ذلت المخلوقات ، وتفرد بالملك والملكوت جبار الأرض والسماوات الأصل الثاني أن انفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد لا يخرجها عن كونها مقدورة للعباد على سبيل الاكتساب ، بل الله تعالى خلق القدرة والمقدور جميعا ، وخلق الاختيار والمختار جميعا . فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه وليست بكسب له . وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له ، فإنها خلقت مقدورة بقدرة هي وصفه ، وكانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة ، فتسمى باعتبار تلك النسبة كسبا ، وكيف تكون جبرا محضا وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية ؟ أو كيف يكون خلقا للعبد وهو لا يحيط علما بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وأعدادها ، وإذا بطل الطرفان لم يبق إلا الاقتصاد في الاعتقاد ، وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعا ، وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه بالاكتساب ، وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط ، إذ