الغزالي
389
إحياء علوم الدين
وكيفية التفصي منه ، وإنما تزول صفة البخل بأن تتعود بذل المال ، فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير ذلك اعتيادا . فالزكاة بهذا المعنى طهرة أي تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك ، وإنما طهارته بقدر بذله وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه إلى الله تعالى المعنى الثالث : شكر النعمة ، فان لله عز وجل على عبده نعمة في نفسه وفي ماله فالعبادات البدنية شكرا لنعمة البدن ، والمالية شكرا لنعمة المال ، وما أخس من ينظر إلى الفقير وقد ضيق عليه الرزق وأحوج إليه ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدى شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه بربع العشر أو العشر من ماله ! الوظيفة الثانية : في وقت الأداء . ومن آداب ذوي الدين التعجيل عن وقت الوجوب إظهارا للرغبة في الامتثال ، بإيصال السرور إلى قلوب الفقراء ، ومبادرة لعوائق الزمان أن تعوقه عن الخيرات ، وعلما بأن في التأخير آفات مع ما يتعرض العبد له من العصيان لو أخر عن وقت الوجوب ، ومهما ظهرت داعية الخير من الباطن فينبغي أن يغتنم ، فان ذلك لمة الملك ، وقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ، فما أسرع تقلبه ، والشيطان يعد الفقر ويأمر بالفحشاء والمنكر ، وله لمة عقيب لمة الملك ، فليغتنم الفرصة فيه ، وليعين لزكاتها إن كان يؤديها جميعا شهرا معلوما ، وليجتهد أن يكون من أفضل الأوقات ليكون ذلك سببا لنماء قربته وتضاعف زكاته ، وذلك كشهر المحرم ، فإنه أول السنة وهو وهو من الأشهر الحرم ، أو رمضان فقد « كان صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] أجود الخلق وكان في رمضان كالرّيح المرسلة لا يمسك فيه شيئا » ولرمضان فضيلة ليلة القدر ، وأنه أنزل فيه القرءان . وكان مجاهد يقول : لا تقولوا رمضان فإنه اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان . وذو الحجة أيضا من الشهور الكثيرة الفضل فإنه شهر حرام ، وفيه الحج الأكبر ، وفيه الأيام المعلومات وهي العشر الأول ، والأيام المعدودات وهي أيام التشريق وأفضل أيام شهر رمضان العشر الأواخر ، وأفضل أيام ذي الحجة العشر الأول