الغزالي
386
إحياء علوم الدين
والتساهل فيه غير قادح في حظ الفقير لكنه قادح في التعبد . ويدل على أن التعبد مقصود بتعيين الأنواع أمور ذكرناها في كتب الخلاف من الفقهيات ، ومن أوضحها أن الشرع أوجب في خمس من الإبل شاة ، فعدل من الإبل إلى الشاة ، ولم يعدل إلى النقدين والتقويم ، وإن قدر أن ذلك لقلة النقود في أيدي العرب بطل بذكره عشرين درهما في الجبران مع الشاتين ، فلم لم يذكر في الجبران قدر النقصان من القيمة ، ولم قدر بعشرين درهما وشاتين ، وإن كانت الثياب والأمتعة كلها في معناها . فهذا وأمثاله من التخصيصات يدل على أن الزكاة لم تترك خالية عن التعبدات كما في الحج ، ولكن جمع بين المعنيين ، والأذهان الضعيفة تقصر عن درك المركبات . فهذا شأن الغلط فيه الرابع : أن لا ينقل الصدقة إلى بلد آخر ، فان أعين المساكين في كل بلدة تمتد إلى أموالها ، وفي النقل تخييب للظنون ، فان فعل ذلك أجزأه في قول ، ولكن الخروج عن شبهة الخلاف أولى ، فليخرج زكاة كل مال في تلك البلدة ، ثم لا بأس أن يصرف إلى الغرباء في تلك البلدة الخامس : أن يقسم ماله بعدد الأصناف الموجودين في بلده ، فان استيعاب الأصناف واجب ، وعليه يدل ظاهر قوله تعالى : * ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والْمَساكِينِ ) * « 1 » الآية فإنه يشبه قول المريض : إنما ثلث مالي للفقراء والمساكين ، وذلك يقتضي التشريك في التمليك والعبادات ينبغي أن يتوقى عن الهجوم فيها على الظواهر . وقد عدم من الثمانية صنفان في أكثر البلاد ، وهم المؤلفة قلوبهم ، والعاملون على الزكاة ، ويوجد في جميع البلاد أربعة أصناف : الفقراء ، والمساكين ، والغارمون ، والمسافرون أعنى أبناء السبيل . وصنفان يوجدان في بعض البلاد دون البعض وهم الغزاة والمكاتبون ، فان وجد خمسة أصناف مثلا قسم بينهم زكاة ماله بخمسة أقسام متساوية أو متقاربة ، وعين لكل صنف قسما ثم قسم كل قسم ثلاثة أسهم فما فوقه إما متساوية أو متفاوتة ، وليس عليه التسوية بين آحاد الصنف ، فان له أن يقسمه على عشرة وعشرين ، فينقص نصيب كل واحد ، وأما الأصناف فلا تقبل الزيادة والنقصان ، فلا ينبغي أن ينقص في كل صنف عن ثلاثة إن وجد ، ثم لو لم يجب إلا صاع للفطرة ووجد خمسة أصناف فعليه أن يوصله إلى خمسة عشر نفرا ،
--> « 1 » التوبة : 60