الغزالي

378

إحياء علوم الدين

كتاب أسرار الزكاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أسعد وأشقى ، وأمات وأحيا ، وأضحك وأبكى ، وأوجد وأفنى ، وأفقر وأغنى ، وأضر وأقنى ، الذي خلق الحيوان من نطفة تمنى ، ثم تفرد عن الخلق بوصف الغنى ، ثم خصص بعض عباده بالحسنى ، فأفاض عليهم من نعمه ما أيسر به من شاء واستغنى ، وأحوج إليه من أخفق في رزقه وأكدى ، إظهارا للامتحان والابتلاء ، ثم جعل الزكاة للدين أساسا ومبنى ، وبين أن بفضله تزكى من عباده من تزكى ومن غناه زكى ماله من زكى . والصّلاة على محمد المصطفى سيد الورى وشمس الهدى ، وعلى آله وأصحابه المخصوصين بالعلم والتقى أما بعد : فإن الله تعالى جعل الزكاة إحدى مباني الإسلام ، وأردف بذكوها الصلاة التي هي أعلى الأعلام فقال تعالى : * ( وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ) * « 1 » وقال صلَّى الله عليه وسلم : [ 1 ] « بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلَّا الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة » وشدد الوعيد على المقصرين فيها فقال : * ( والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) * « 2 » ومعنى الإنفاق في سبيل الله إخراج حق الزكاة . قال الأحنف بن قيس : كنت في نفر من قريش فمر أبو ذر فقال : بشر الكانزين بكيّ في ظهورهم يخرج من جنوبهم ، وبكيّ في أقفائهم يخرج من جباههم . وفي رواية أنه يوضع على حلمة ثدي أحدهم فيخرج من نغض كتفيه ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل . وقال أبو ذر : انتهيت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال : « هم الأخسرون وربّ الكعبة » فقلت ومن هم ؟ قال « الأكثرون أموالا إلَّا من قال هكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقيل : ما هم ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدّى زكاتها إلَّا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه ، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلَّما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتّى يقضى بين النّاس »

--> « 1 » البقرة : 110 « 2 » التوبة : 34