الغزالي

376

إحياء علوم الدين

ففي النهى في أوقات الكراهية مهمات ثلاثة : ( أحدها ) التوقي من مضاهاة عبدة الشمس . و ( الثاني ) الاحتراز من انتشار الشياطين ، إذ قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] إنّ الشّمس لتطلع ومعها قرن الشّيطان فإذا طلعت قارنها ، وإذا ارتفعت فارقها ، فإن استوت قارنها ، فإذا زالت فارقها ، فإذا تضيّفت للغروب قارنها ، فإذا غربت فارقها ، ونهى عن الصلوات في هذه الأوقات ونبه به على العلة . و ( الثالث ) أن سالكي طريق الآخرة لا يزالون يواظبون على الصلوات في جميع الأوقات ، والمواظبة على نمط واحد من العبادات يورث الملل ومهما منع منها ساعة زاد النشاط وانبعثت الدواعي ، والإنسان حريص على ما منع منه ، ففي تعطيل هذه الأوقات زيادة تحريض وبعث على انتظار انقضاء الوقت ، فخصصت هذه الأوقات بالتسبيح والاستغفار ، حذرا من الملل بالمداومة ، وتفرجا بالانتقال من نوع عبادة إلى نوع آخر ، ففي الاستطراف والاستجداد لذة ونشاط وفي الاستمرار على شيء واحد استثقال وملال ، ولذلك لم تكن الصّلاة سجودا مجردا ولا ركوعا مجردا ولا قياما مجردا ، بل رتبت العبادات من أعمال مختلفة وأذكار متباينة ، فان القلب يدرك من كل عمل منهما لذة جديدة عند الانتقال إليها ، ولو واظب على الشيء الواحد لتسارع إليه الملل . فإذا كانت هذه أمورا مهمة في النهى عن ارتكاب أوقات الكراهة إلى غير ذلك من أسرار أخر ، ليس في قوة البشر الاطلاع عليها ، والله ورسوله أعلم بها . فهذه المهمات لا تترك إلا بأسباب مهمة في الشرع مثل قضاء الصلوات وصلاة الاستسقاء والخسوف وتحية المسجد ، فأما ما ضعف عنها فلا ينبغي أن يصادم به مقصود النهى . هذا هو الأوجه عندنا والله أعلم كمل كتاب أسرار الصّلاة من كتاب إحياء علوم الدين ، يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب أسرار الزكاة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ، والحمد لله وحده ، وصلاته على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا