الغزالي

208

إحياء علوم الدين

حكم الدنيا الذي يتعلق بالأئمة والولاة ، من المسلمين ، لأن قلبه لا يطلع عليه وعلينا أن نظن به أنه ما قاله بلسانه إلا وهو منطو عليه في قلبه ، وإنما نشك في أمر ثالث وهو الحكم الدنيوي فيما بينه وبين الله تعالى ، وذلك بأن يموت له في الحال قريب مسلم ثم يصدق بعد ذلك بقلبه ثم يستفتى ويقول : كنت غير مصدق بالقلب حالة الموت والميراث الآن في يدي ، فهل يحل لي بيني وبين الله تعالى ؟ أو نكح مسلمة ثم صدق بقلبه هل تلزمه إعادة النكاح ؟ هذا محل نظر ، فيحتمل أن يقال : أحكام الدنيا منوطة بالقول الظاهر ظاهرا وباطنا ، ويحتمل أن يقال : تناط بالظاهر في حق غيره ، لأن باطنه غير ظاهر لغيره ، وباطنه ظاهر له في نفسه بينه وبين الله تعالى . والأظهر والعلم عند الله تعالى . أنه لا يحل له ذلك الميراث ، ويلزمه إعادة النكاح . ولذلك كان حذيفة رضي الله عنه لا يحضر جنازة من يموت من المنافقين ، وعمر رضي الله عنه كان يراعى ذلك منه فلا يحضر إذا لم يحضر حذيفة رضي الله عنه ، والصلاة فعل ظاهر في الدنيا وإن كان من من العبادات . والتوقي عن الحرام أيضا من جملة ما يجب لله كالصلاة ، لقوله صلَّى الله عليه وسلم : « طلب الحلال فريضة بعد الفريضة » وليس هذا مناقضا لقولنا أن الإرث حكم الإسلام وهو الاستسلام ، بل الاستسلام التام هو ما يشمل الظاهر والباطن ، وهذه مباحث فقهية ظنية تبنى على ظواهر الألفاظ والعمومات والأقيسة ، فلا ينبغي أن يظن القاصر في العلوم أن المطلوب فيه القطع من حيث جرت العادة بإيراده في فن الكلام الذي يطلب فيه القطع ، فما أفلح من نظر إلى العادات والمراسم في العلوم فان قلت : فما شبهة المعتزلة والمرجئة ؟ وما حجة بطلان قولهم ؟ فأقول شبهتهم عمومات القرءان أما المرجئة فقالوا : لا يدخل المؤمن النار وإن أتى بكل المعاصي لقوله عز وجل : * ( فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّه فَلا يَخافُ بَخْساً ولا رَهَقاً ) * ولقوله عز وجل : * ( والَّذِينَ آمَنُوا بِالله ورُسُلِه أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ) * الآية ولقوله تعالى : * ( كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها ) * إلى قوله : * ( فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ الله من شَيْءٍ ) * فقوله : « كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ » عام ، فينبغي أن يكون كل من ألقى في النار مكذبا ، ولقوله تعالى : * ( لا يَصْلاها إِلَّا الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلَّى ) * وهذا حصر