الغزالي
344
إحياء علوم الدين
في المسجود كأنه جعل سلامه نسيانا في غير محله ، فلا يحصل التحلل به ، وعاد إلى الصلاة ، فلذلك يستأنف السلام بعد السجود ، فان تذكر سجود السهو بعد خروجه من المسجد ، أو بعد طول الفصل فقد فات مسألة : الوسوسة في نية الصلاة : سببها خبل في العقل أو جهل بالشرع ، لأن امتثال أمر الله عز وجل مثل امتثال أمر غيره ، وتعظيمه كتعظيم غيره في حق القصد ، ومن دخل عليه عالم فقام له فلو قال نويت أن أنتصب قائما تعظيما لدخول زيد الفاضل لأجل فضله متصلا بدخوله مقبلا عليه بوجهي ، كان سفها في عقله ، بل كما يراه ويعلم فضله تنبعث داعية التعظيم فتقيمه ويكون معظما ، إلا إذا قام لشغل آخر أو في غفلة . واشتراط كون الصلاة ظهرا أداء فرضا في كونه امتثالا كاشتراط كون القيام مقرونا بالدخول مع الإقبال بالوجه على الداخل ، وانتفاء باعث آخر سواه وقصد التعظيم به ليكون تعظيما ، فإنه لو قام مدبرا عنه أو صبر فقام بعد ذلك بمدة لم يكون معظما . ثم هذه الصفات لا بد وأن تكون معلومة ، وأن تكون مقصودة ، ثم لا يطول حضورها في النفس في لحظة واحدة ، وإنما يطول نظم الألفاظ الدالة عليها ، إما تلفظا باللسان ، وإما تفكرا بالقلب ، فمن لم يفهم نية الصلاة على هذا الوجه فكأنه لم يفهم النية ، فليس فيه إلا أنك دعيت إلى أن تصلي في وقت فأجبت وقمت ، فالوسوسة محض الجهل ، فان هذه القصود وهذه العلوم تجتمع في النفس في حالة واحدة ، ولا تكون مفصلة الآحاد في الذهن بحيث تطالعها النفس وتتأملها ، وفرق بين حضور الشيء في النفس وبين تفصيله بالفكر ، والحضور مضاد للعزوب والغفلة وإن لم يكن مفصلا ، فان من علم الحادث مثلا فيعلمه بعلم واحد في حالة واحدة ، وهذا العلم يتضمن علوما هي حاضرة وإن لم تكن مفصلة ، فان من علم الحادث فقد علم الموجود والمعدوم والتقدّم والتأخر والزمان ، وأن التقدم للعدم ، وأن التأخر للوجود . فهذه العلوم منطوية تحت العلم بالحادث ، بدليل أن العالم بالحادث إذا لم يعلم غيره لو قيل له : هل علمت التقدم فقط أو التأخر أو العدم أو تقدم العدم أو تأخر الوجود أو الزمان المنقسم إلى المتقدم والمتأخر فقال ما عرفته قط ، كان كاذبا ، وكان قوله مناقضا ، لقوله : إني أعلم الحادث