الغزالي

299

إحياء علوم الدين

فأنت أطوع له منك لله تعالى ، فقد اتخذته إلهك وكبرته ، فيوشك أن يكون قولك الله أكبر كلاما باللسان المجرد وقد تخلف القلب عن مساعدته ، وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرم الله تعالى وعفوه وأما دعاء الاستفتاح : فأول كلماته قولك : وجهت وجهي الذي فطر السماوات والأرض وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر ، فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة ، والله سبحانه يتقدس عن أن تحده الجهات حتى تقبل بوجه بدنك عليه ، وإنما وجه القلب هو الذي تتوجه به إلى فاطر السماوات والأرض . فانظر إليه أمتوجه هو إلى أمانيه وهمه في البيت والسوق متبع للشهوات ، أو مقبل على فاطر السماوات . وإياك أن تكون أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاق ، ولن ينصرف الوجه إلى الله تعالى إلا بانصرافه عما سواه ، فاجتهد في الحال في صرفه إليه وإن عجزت عنه على الدوام فليكن قولك في الحال صادقا . وإذا قلت : حنيفا مسلما ، فينبغي أن يخطر ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده ، فإن لم تكن كذلك كنت كاذبا ، فاجتهد في أن تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من الأحوال . وإذا قلت : وما أنا من المشركين ، فأخطر ببالك الشرك الخفي ، فان قوله تعالى * ( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّه أَحَداً ) * « 1 » نزل فيمن يقصد بعبادته وجه الله وحمد الناس ، وكن حذرا مشفقا من هذا الشرك ، واستشعر الخجلة في قلبك إن وصفت نفسك بأنك لست من المشركين من غير براءة عن هذا الشرك ، فان اسم الشرك يقع على القليل والكثير منه . وإذا قلت : محياي ومماتي لله . فاعلم أن هذا حال عبد مفقود لنفسه موجود لسيده ، وأنه إن صدر ممن رضاه وغضبه وقيامه وقعوده ورغبته في الحياة ورهبته من الموت لأمور الدنيا لم يكن ملائما للحال وإذا قلت : أعوذ با لله من الشيطان الرجيم ، فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن الله عز وجل حسدا لك على مناجاتك مع الله عز وجل وسجودك له ، مع أنه لعن بسبب سجدة واحدة تركها ولم يوفق لها ، وأن استعاذتك با لله سبحانه منه بترك ما يحبه وتبديله بما يحب الله عز وجل لا بمجرد قولك ، فان من قصده سبع أو عدو ليفترسه أو ليقتله فقال :

--> « 1 » الكهف : 110