صديق الحسيني القنوجي البخاري
29
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
كتب القتل والقتال علينا * وعلى الغانيات جر الذيول وهذا إخبار من اللّه سبحانه لعباده بأنه شرع لهم ذلك . وقيل : إنّ كُتِبَ هذا إشارة إلى ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ . و الْقِصاصُ أصله : قصّ الأثر : أي اتباعه . ومن القاص لأنه يتبع الآثار ، وقص الشعر اتباع أثره ، فكأن القاتل يسلك طريقا من القتل يقص أثره فيها ومنه قوله تعالى فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً ( 64 ) [ الكهف : 64 ] . وقيل : إن القصاص مأخوذ من القص وهو القطع يقال : قصصت بينهما : أي قطعته . وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن الحرّ لا يقتل بالعبد وهم الجمهور . وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى وداود إلى أنه يقتل به إذا كان غير سيده ، وأما سيده فلا يقتل به إجماعا ، إلا ما روي عن النخعي ، فليس بمذهب أبي حنيفة ومن معه على الإطلاق ، ذكره الشوكاني في « شرح المنتقى » . قال القرطبي : وروى ذلك عن علي وابن مسعود وبه قال سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم بن عتبة واستدلوا بقوله تعالى وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ سورة المائدة : 45 ] وأجاب الأولون عن هذا الاستدلال بأن قوله تعالى : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ مفسر لقوله تعالى : النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ، وقالوا أيضا : إن قوله وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها ، يفيد أن ذلك حكاية عما شرعه اللّه لبني إسرائيل في التوراة . ومن جملة ما استدل به الآخرون قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « المسلمون تتكافأ دماؤهم » « 1 » . ويجاب عنه بأنه مجمل والآية مبينة ، ولكنه يقال إن قوله تعالى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ إنما أفاد بمنطوقه أن الحرّ يقتل بالحر والعبد يقتل بالعبد ، وليس فيه ما يدل على أن الحرّ لا يقتل بالعبد إلا باعتبار المفهوم ، فمن أخذ بمثل هذا المفهوم لزمه القول به هنا ومن لم يأخذ بمثل هذا المفهوم لم يلزمه القول به هنا ، والبحث في هذا محرر في علم الأصول .
--> ( 1 ) [ صحيح ] أخرجه أحمد في المسند [ 2 / 191 - 192 ، 211 ] وأبو داود في السنن [ 3 / 81 ] ح [ 2751 ، 4531 ] وابن ماجة في السنن [ 2 / 895 ] ح [ 2683 ] والبيهقي في السنن الكبرى [ 8 / 29 ] .