صديق الحسيني القنوجي البخاري
15
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
وفي قوله : فَلا تَكْفُرْ أبلغ إنذارا وأعظم تحذيرا : أي أن هذا ذنب يكون من فعله كافرا فلا تكفر . وفيه دليل على أن تعلم السحر كفر ؛ وظاهره عدم الفرق بين المعتقد وغير المعتقد ، وبين من تعلّمه ليكون ساحرا ومن تعلّمه ليقدر على دفعه . وفي إسناد التفريق إلى السّحرة وجعل السّحر سببا لذلك ، دليل على أن للسحر تأثيرا في التلوث بالحب والبغض ، والجمع والفرقة ، والقرب والبعد . وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر لا يقدر على أكثر مما أخبر اللّه من التفرقة ؛ لأن اللّه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم للسّحر ؛ وبين ما هي الغاية في تعليمه فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره . وقالت طائفة أخرى : إن ذلك خرج مخرج الأغلب ؛ وأن السّاحر يقدر على غير ذلك المنصوص عليه أيضا . وقيل : ليس للسّحر تأثير في نفسه أصلا ، لقوله : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ . والحق أنه لا تنافي بين قوله : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وبين قوله : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فإن المستفاد من جميع ذلك أن للسحر تأثيرا في نفسه ولكنه لا يؤثر ضررا إلا فيمن أذن اللّه بتأثيره فيه . وقد أجمع أهل العلم على أن له تأثيرا في نفسه وحقيقة ثابتة ؛ ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة وأبو حنيفة « 1 » كما تقدم . وفي قوله : وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ تصريح بأن السحر لا يعود على صاحبه بفائدة ولا يجلب إليه منفعة ؛ بل هو ضرر محض وخسران بحت » « 2 » . قال أبو السعود : فيه أن الاجتناب عما لا تؤمن غوائله خير : كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية . انتهى . والمراد بالشراء هنا الاستبدال ، أي من استبدل ما تتلو الشياطين على كتاب اللّه .
--> ( 1 ) قال ابن هبيرة : وأجمعوا على أن السحر له حقيقة ، إلا أبا حنيفة فإنه قال : لا حقيقة له عنده . انظر ، الإفصاح لابن هبيرة [ 2 / 185 ] . ( 2 ) انظر فتح القدير [ 1 / 120 - 121 ] .