الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

92

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عليه الصلاة والسلام بالصدق الثابت الذي لا محيد عنه أصلا ، وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ أي أيّ حق كان كارِهُونَ ( 70 ) من حيث تمسكوا بالتقليد ، ومن حيث علموا أنهم لو أقروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لزالت مناصبهم واختلت رئاساتهم ، فلذلك كرهوه وكان منهم من ترك الإيمان استنكافا من توبيخ قومه أو لعدم فكرته لا لكراهة الحق . وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ أي ولو كان الحق الذي كرهوه موافقا لأهوائهم الباطلة لخرجت السماوات والأرض ومن فيهن عن الصلاح والانتظام بالكلية ، بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ أي بل جئناهم بالقرآن الذي فيه شرفهم . وقرأ أبو عمرو في رواية « آتيناهم » بمد الهمزة ، أي أعطيناهم فخرهم ، فالباء مزيدة في « بذكرهم » ، وقرأ ابن أبي إسحاق ، وعيسى بن عمرو وأبو عمرو أيضا « أتيتهم » بتاء المتكلم وحده وقرأ الجحدري وأبو رجاء آتيتهم بالتاء على خطاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وقرأ عيسى « بذكراهم » بألف التأنيث أي بوعظهم . وقرأ أبو قتادة « نذكرهم » بنون المتكلم مضارع « ذكر » مشدد الكاف ، وهي جملة حالية . فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ أي فخرهم وشرفهم مُعْرِضُونَ ( 71 ) ، وكان يجب عليهم أن يقبلوا عليه أكمل إقبال أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً وقرأ حمزة والكسائي بفتح الراء وبالألف والباقون بسكونها فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ، وقرأ ابن عامر بسكون الراء . والباقون بفتحها وبالألف . أي أم تسألهم على هدايتهم قليلا من عطاء الخلق ، فالكثير من عطاء ربك خير فلا يجوز أن ينفروا عن قبول قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لأجل هذه التهمة البعيدة ، وهم غير معذورين البتة ، وهم محجوجون من جميع الوجوه ، فهذا توبيخ بوجه آخر كأنه قيل : أم يزعمون أنك تسألهم على أداء الرسالة جعلا فلأجل ذلك لا يؤمنون بك ولا تسألهم ذلك ، فإن ما رزقك اللّه تعالى في الدنيا والآخرة خير لك من ذلك وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 72 ) أي أفضل المعطين في الدنيا والآخرة خير لك من ذلك وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 73 ) تشهد العقول السليمة باستقامته وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي بالبعث والثواب والعقاب عَنِ الصِّراطِ أي عن جنس الصراط لَناكِبُونَ ( 74 ) أي منحرفون فلا يطلق على ما ذهبوا إليه اسم الصراط لغاية ضلالهم وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 75 ) أي ولو كشفنا ما أصابهم من جمع وسائر مضار الدنيا لتمادوا في ضلالهم وهم متحيّرون عن الهدى لا يبصرون الحق ، وقد كان الأمر كذلك . روي أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ، منع الميرة عن أهل مكة فأخذهم اللّه تعالى بالسنين سبع سنين حتى أكلوا الجلود والجيف والعلهز « 1 » ، فجاء أبو سفيان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين ، ثم قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فادع اللّه يكشف عنا هذا القحط ، فدعا ، فكشف عنهم ، فأنزل اللّه هذه الآية وذلك بسبب

--> ( 1 ) العلهز : بالكسر ، طعام من الدم والوبر ، كان يتخذ في المجاعة [ القاموس المحيط ، مادة : العلهز ] .