الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

89

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

خاضعون لنا خادمون كالعبيد لنا ، فَكَذَّبُوهُما بالرسالة فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ( 48 ) أي فصاروا من المغرقين في بحر القلزم وَلَقَدْ آتَيْنا بعد إهلاكهم وإنجاء بني إسرائيل مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 49 ) أي لكي يهتدوا إلى الطريق الحق بالعمل بما فيها من الأحكام ، وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ عيسى وَأُمَّهُ آيَةً دالة على عظيم قدرتنا بولادته من غير مسيس بشر ، ونطقه في الصغر وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ أي أسكناهما في أرض مرتفعة . فقال عطاء عن ابن عباس : هي بيت المقدس فهو أقرب بقاع الأرض إلى السماء ، ويزيد على غيره في الارتفاع ثمانية عشر ميلا . وقال عبد اللّه بن سلام : هي دمشق وعليه الأكثرون . وقرأ ابن عامر ، وعاصم بفتح الراء . والباقون بالضم ذاتِ قَرارٍ أي مستوية مبسوطة ذات نعيم وَمَعِينٍ ( 50 ) أي ماء ظاهر جار على وجه الأرض . يا أَيُّهَا الرُّسُلُ نودي بهذا المعنى كل رسول في زمانه ليعتقد السامع أن أمرا نودي له جميع الرسل وأمروا به حقيق أن يعمل به . والمعنى نخبرك يا محمد أنّا أمرنا الرسل المتقدمين وقلنا لهم إلخ ، دالا على بطلان ما عليه الرهبان من رفض الطيبات ، أي وقلنا لكل رسول : كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ أي الحلالات سواء كانت مستلذة أو لا ، وَاعْمَلُوا صالِحاً أي عملا صالحا من فرض ونفل . والأكل إذا كان بأمر الشرع لا بأمر الطبع يكون من نتائجه الأعمال الصالحة ، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ من الأعمال الظاهرة والباطنة عَلِيمٌ ( 51 ) فأجازيكم عليه . وهذا تحذير لهم من اللّه تعالى من مخالفة ما أمرهم به ، وإذا كان هذا تحذيرا للرسل مع علو شأنهم فبأن يكون تحذير الغير هم أولى وَإِنَّ هذِهِ أي العقائد أُمَّتُكُمْ أي دينكم أيها المخاطبون أُمَّةً واحِدَةً أي دينا واحدا ، والاختلاف في الشرائع لا يسمى اختلافا في الدين . وقرأ الكوفيون بكسر همزة « إن » على الاستئناف الداخل فيما خوطب به الرسل والباقون بفتح الهمزة على حذف اللام أي ولأن ، وقيل : « العطف على « ما » ، أي إني عليم بأن هذه أمتكم . وقرأ ابن عامر « وإن » بإسكان النون ، فاسمها ضمير الشأن و « هذه » مبتدأ ، و « أمتكم » خبر و « أمة » حال لازمة وَأَنَا رَبُّكُمْ من غير أن يكون لي شريك في الربوبية فَاتَّقُونِ ( 52 ) أي فأطيعوني ، فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً أي فجعل أتباع الأنبياء أمر دينهم مع اتحاده قطعا متفرقة وأديانا مختلفة بينهم ف « زبرا » جمع زبرة بمعنى قطعة كغرفة وغرف ، فهو حال من « أمرهم » ، أو من واوا « تقطعوا » . كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 53 ) أي كل فريق منهم معجبون بما اتخذوه دينا فيرى كل منهم أنه المحق الرابح ، وأن غيره المبطل الخاسر فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ( 54 ) أي اترك يا أشرف الخلق كفار مكة في جهلهم إلى موتهم على الكفر أو إلى مجيء عذابهم بالقتل وغيره . أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ أي أيظنون أن الذي نعطيهم إياه من المال والبنين نسارع به لهم في إكرامهم ليكونوا فارغي البال من غير اشتغال بالتكاليف . بَلْ