الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

87

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

وقرأ حفص بتنوين « كل » ف « زوجين » مفعول به واثنين تأكيد أي من كل نوع . وقرأ الباقون بغير تنوين ف « اثنين » مفعول به وَأَهْلَكَ أي وأدخل في الفلك أهل بيتك من زوجك وأولادك . إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ أي الوعد الأزلي من اللّه تعالى بالإهلاك ، وهو ولده كنعان وأم كنعان فهي كافرة . وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا بالدعاء لإنجائهم إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 27 ) أي أنهم محكوم عليهم بالغرق وبالطوفان فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ أي ركبت وَمَنْ مَعَكَ من المؤمنين والدواب وغيرها عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 28 ) ومن الغرق بالالتجاء إلى السفينة . وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً أي مكان نزول فيه خير كثير ، وهو نفس السفينة ، لأن من ركبها خلصته من الغرق . وقرأ أبو بكر « منزلا » بفتح الميم وكسر الزاي . والباقون بضم الميم وفتح الزاي وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 29 ) في الدنيا والآخرة . إِنَّ فِي ذلِكَ أي في قصة نوح وقومه لَآياتٍ جليلة . فإن اظهار تلك المياه العظيمة ثم الإذهاب بها لا يقدر عليه إلّا القادر على كل المقدورات ، وظهور تلك الواقعة على وفق قول نوح عليه السلام يدل على المعجز العظيم وإفناء الكفار وبقاء الأرض لأهل الدين من أعظم أنواع العبر في الدعاء إلى الإيمان والزجر عن الكفر ، وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ( 30 ) أي وإن الشأن كنا مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم مختبرين به عبادنا فيما بعد للنظر من يتذكر ، ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد إهلاكهم قَرْناً آخَرِينَ ( 31 ) هم عاد . فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ هو هود عليه السلام . أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وقلنا لهم على لسان الرسول : اعبدوا اللّه وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 32 ) عذابه وَقالَ الْمَلَأُ أي الرؤساء مِنْ قَوْمِهِ أي الرسول الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ أي بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب ، وَأَتْرَفْناهُمْ أي نعمناهم بالأموال والأولاد فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يخاطبون أتباعهم مضلين لهم : ما هذا أي الرسول إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ في الصفات والأحوال ، يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( 33 ) فكيف يكون رسولا وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ أي إن امتثلتم آدميا مثلكم في الخلق والحال بأوامره ، إِنَّكُمْ إِذاً أي إن أطعتموه لَخاسِرُونَ ( 34 ) أي مغلوبون في عقولكم جاهلون . أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً أي وصارت أجسامكم ترابا وَعِظاماً نخرة مجردة عن اللحوم والأعصاب أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ( 35 ) من القبور أحياء كما كنتم هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ( 36 ) أي بعد حصول ما توعدون من خروجكم من القبور فلا يقع هذا . إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أي ما الحياة إلا حياتنا في الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيا أي يموت بعضنا ويحيا بعضنا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 37 ) بعد الموت إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي ما مدعي الرسالة إلا رجل تعمّد على اللّه كذبا فيما يدّعيه من إرساله ، وفيما يعدنا من أن اللّه يبعثنا وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ( 38 ) أي بمصدقين فيما يقوله من البعث بعد الموت ومن دعوى الرسالة . قالَ أي هود بعد يأسه من إيمانهم : رَبِّ انْصُرْنِي بِما