الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

6

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

وَرَحْمَةً ، عظيمة كائنة مِنَّا عليهم يهتدون بهدايته ، وَكانَ ، أي خلق الولد بلا أب ، أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 ) أي لا يتغيّر . فلو لم يقع لا نقلب علم اللّه جهلا وهو محال . وجميع الممكنات منتهية في سلسلة القضاء إلى واجب الوجود ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلا فائدة في الحزن ، وهذا هو سر قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من عرف سر اللّه في القدر هانت عليه المصائب » . فَحَمَلَتْهُ أي فنفخ جبريل في طوق قميصها نفخة وصلت إلى فرجها ، ودخلت منه جوفها فحملته في الحال ، فَانْتَبَذَتْ بِهِ أي فاعتزلت وهو في بطنها ، مَكاناً قَصِيًّا ( 22 ) ، أي بعيدا من الناس . قال وهب : إن مريم لما حملت بعيسى ، كان معها ابن عم لها يقال له : يوسف النجار ، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون ، وكان يوسف ومريم يخدمان ذلك المسجد ، ولا يعلم في أهل زمانهما أحد أشد عبادة منهما . وأول من علم حمل مريم هو يوسف ، فتحيّر في أمرها فكلما أراد أن يتهمها ذكر عبادتها ، وأنها لم تغب عنه ساعة قط . وإذا أراد أن يبرّئها رأى الذي ظهر بها من الحمل . فأول ما تكلم به أن قال : قد وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على كتمانه ، فغلبني ذلك ، فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري ، فقالت : قل قولا جميلا . قال : أخبريني يا مريم ، هل ينبت زرع بغير بذر ؟ وهل تنبت شجرة من غير غيث ؟ وهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت : نعم ، ألم تعلم أن اللّه أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي أنبته من غير بذر ، ألم تعلم أن اللّه تعالى أنبت الشجرة من غير غيث ؟ وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر ، بعد ما خلق كل واحد منهما على حدة ، أو تقول أن اللّه تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء ، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها . فقال يوسف : لا أقول هذا ولكني أقول : إن اللّه قادر على ما يشاء ، فيقول له : كن فيكون . فقالت له مريم : ألم تعلم أن اللّه تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى ؟ فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه . وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل ، وضيق القلب ، فلما دنت ولادتها ، أوحى اللّه إليها أن أخرجي من أرض قومك ، فخرجت أقصى الدار . فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ أي فألجأها وجع الولادة إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ أي إلى أصل نخلة يابسة لا رأس لها ، وكان الوقت شتاء شديد البرد ، فلما اعتمدت عليه بصدرها اخضر ، وأطلع الجريد ، والخوص ، والثمر رطبا في وقت واحد ، كما أن حمل عيسى وتصويره وولادته في وقت واحد . وكأن اللّه أرشدها إلى النخلة ليريها من آياته ما يسكن روعتها ، وليطعمها الرطب ، الذي هو أشد الأشياء موافقة للنفساء فهو خرسة لها ، ولأن النخلة من أقل الأشجار صبرا على البرد ،