الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

53

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

السماوات والأرض فقط ، مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 56 ) بذلك ، فأنا قادر على إثبات الحجة في ذلك ، وأني لست مثلكم أقول بغير إثبات الحجة ، كما لم تقدروا على الاحتجاج لمذهبكم ، ولم تزيدوا على مجرّد التقليد بآبائكم . وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أي لأكسرنّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ( 57 ) أي بعد أن تنطلقوا ذاهبين إلى العيد . روي أن آزر خرج في يوم عيد لهم ، فبدءوا ببيت الأصنام ، فدخلوا ، فسجدوا لها ووضعوا بينها طعاما خرجوا به معهم ، وذهب معهم إبراهيم ، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه ، وقال : إني سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا ، ثم نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس حيث قال : وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ ، فسمع قوله الضعفاء ، فرجع إبراهيم إلى بيت الأصنام ، فَجَعَلَهُمْ ، أي الأصنام ، جُذاذاً أي قطعا إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لم يكسره ، لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ أي إلى مقالة إبراهيم يَرْجِعُونَ ( 58 ) . فيبكتهم ، فيعدلون عن الباطل ، أي أن إبراهيم عليه السلام لما دخل بيت الأصنام ، وجد قبالة الباب صنما عظيما وإلى جنبه أصغر منه ، وهكذا كل صنم أصغر من الذي يليه ، وكانوا وضعوا عند الأصنام طعاما يأكلون منه إذا رجعوا من عيدهم إليهم ، فقال لهم إبراهيم : ألا تأكلون ؟ فكسرها كلها بفأس في يده حتى لم يبق إلّا الكبير ، ثم علّق الفأس في عنقه . قالُوا حين رجعوا من عيدهم ورأوا ما رأوا : مَنْ فَعَلَ هذا أي التكسير ، بِآلِهَتِنا إِنَّهُ أي من فعل ، لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 59 ) . إما لجراءته على إهانة الآلهة ، أو لإفراطه في الكسر ، أو لتعريض نفسه للهلكة . فإنهم كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تماثيل الكواكب ، وأنها طلسمات موضوعة ، بحيث إن كل من عبدها انتفع بها ، وكل من استخف بها ناله منها ضرر شديد . قالُوا أي الذين سمعوا حلف إبراهيم وأخبروا أكابرهم : سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ أي يعيب الأصنام ويسبها فلعلّه هو الذي فعل بها هذا الفعل ، يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ ( 60 ) أي يطلق عليه هذا الاسم وهذه صفة ثانية ل « فتى » . قالُوا أي فيما بينهم ، والقائل لذلك القول هو النمروذ : فَأْتُوا بِهِ ، أي بإبراهيم عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ ، أي حال كونه ظاهرا للناس ، لَعَلَّهُمْ أي بعض الناس ، يَشْهَدُونَ ( 61 ) عليه بفعله فكل حاكم يحكم على جماعة بالجناية من غير بينة ، أسوأ حالا ، فلا يحكم بعض الكفار على أهل الجناية إلا بحضور عدول قالُوا أي قال له نمروذ بعد إتيانه أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا أي الكسر بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ( 62 ) ؟ قالَ إبراهيم متهكما بهم وملزما بالحجة : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ، أي الذي الفأس على عنقه ، وهو مشير إلى الذي لم يكسره ، وسلك عليه السلام مسلكا تعريضيا يؤديه إلى مقصده الذي هو إلزامهم الحجة على ألطف وجه يحملهم على التأمل في شأن آلهتهم ، فهذا يستلزم نفي فعل الصنم الكبير للكسر وإثباته لنفسه عليه السلام ، وهو إشارة لنفسه على الوجه الأبلغ مضمنا فيه الاستهزاء ، والتضليل ، إذ القاعدة أنه إذا دار فعل بين قادر عليه ، وعاجز عنه ، وأثبت للعاجز بطريق التهكم به ، لزم منه