الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

51

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

بقوتهم ، رَدَّها أي دفع النار عنهم بالكلية وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 40 ) أي يمهلون ليستريحوا طرفة عين بشؤم الإنكار والاستهزاء . وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ، أي وباللّه ، لقد أستهزئ برسل أولي شأن خطير ، وذوي عدد كثير ، كائنين في زمان قبل زمانك ، فَحاقَ أي أحاط عقب ذلك ، بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ، أي من أولئك الرسل عليهم السلام ، وهو متعلق ب « حاق » . ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 41 ) أي جزاء الذي كانوا به يستهزئون ، فكذلك يحيق بمن استهزءوا بك وبال استهزائهم . قُلْ يا أشرف الخلق للمستهزئين بك بطريق التقريع : مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، أي من يحفظكم في الليل إذا نمتم ، وفي النهار إذا انصرفتم إلى معايشكم مِنَ الرَّحْمنِ - أي من عذاب الرحمن الذي تستحقونه إن نزل بكم - ؟ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ( 42 ) . أي بل هم لا يخطرون ببالهم ذكره تعالى ، مع إنعامه عليهم ليلا ونهارا بالحراسة ، فضلا أن يخافوا عذابه تعالى فلو تأمّلوا في أنه لا حافظ لهم سواه تعالى ، لتركوا عبادة الأصنام التي لا حظّ لها في حفظهم ، ولا في الإنعام عليهم ، أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا ، أي بل ألهم آلهة تمنعهم مما يحزنهم ، كائنة من غيرنا ف « من دوننا » صفة ل « آلهة » ، لا يَسْتَطِيعُونَ أي آلهتهم نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ ، أي حمايتها عن الآفات ، فكيف تقدر على حماية غيرها وَلا هُمْ مِنَّا أي من عذابنا يُصْحَبُونَ ( 43 ) . أي يمنعون ، فكيف يمنعون غيرهم من العذاب ؟ بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ، فحسبوا أن لا يزالوا كذلك ، وأن ذلك بسبب ما هم عليه . أي دع ما زعموا من كونهم محفوظين بكلاءة آلهتهم ، بل ما هم فيه من الحفظ إنما هو منّا حفظناهم من البأساء ومتعناهم بأنواع السّراء ، لكونهم من أهل الاستدراج ، والانهماك فبما يؤدّيهم إلى العذاب . أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ، أي ألا ينظر هؤلاء المشركون باللّه ، المستعجلون بالعذاب ، فلا يرون أنّا نأخذ أرض الكفرة واحدا بعد واحد ، ونفتح البلاد والقرى مما حول مكة لمحمد ، ونميت رؤساء المشركين المتمتعين بالدنيا ، وننقص من الشرك بإهلاك أهله . أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ ( 44 ) على محمد وأصحابه ؟ ! أما كان لهم عبرة في ذلك فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا ؟ قُلْ لهم : إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ الذي هو كلام ربكم ، فلا تظنّوا أن ذلك من قبلي ، بل اللّه أمرني بإنذاركم . وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ ( 45 ) . قرأ ابن عامر : « ولا تسمع » بالتاء المضمومة ، وكسر الميم ، وبنصب الاسمين ، أي ولا تقدر يا أشرف الرسل أن تسمع الدعاء من يتصامم . وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ أي وباللّه لئن أصابهم شيء قليل ، مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا ، أي يا هلاكنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 46 ) . على أنفسنا وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ ، أي نقيم الموازين العادلة التي توزن بها صحائف الأعمال ، لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ، أي فيه أو لأجل أهله ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً أي حقا من حقوقها بل يوفّى كل