الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
49
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
تعالى عالما بكل شيء ، علموا كونه تعالى عالما بظواهرهم ، وبواطنهم ، فكان ذلك داعيا لهم إلى نهاية الخضوع وكمال العبودية . وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى . أي لمن هو مرضي عند اللّه ، وهو من قال : « لا إله إلا اللّه » ، ولا يشفعون لمن لم يأذن اللّه بشفاعته مهابة من اللّه تعالى . وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ تعالى مُشْفِقُونَ ( 28 ) ، أي مرتعدون ، فلا يأمنون من مكره تعالى وهم خائفون أن يؤاخذهم اللّه بما قالوا ، أو بما عملوا . وهذه المذكورات صفات للعبيد ، لا صفات للأولاد . وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ ، أي الملائكة إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ ، أي من غير اللّه فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ، فلا ينفعهم ما ذكر من صفاتهم السنيّة وأفعالهم المرضية ، وهذا على سبيل التقدير ، إذ لم يقع من واحد من الملائكة أنه قال ما ذكر وفي ذلك دلالة على قوة ملكوته تعالى وعزة جبروته . كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 29 ) . أي مثل ذلك الجزاء نجزي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي ألم يتفكروا ولم يعلموا ، أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً أي مستوية صلبة ملتزقا بعضها على بعض ، لم تنزل من السماء قطرة من مطر ، ولم ينبت على الأرض شيء من النبات ، فَفَتَقْناهُما أي شققنا السماء بنزول المطر منها ، وشققنا الأرض بظهور النبات عليها . وقرأ ابن كثير « ألم ير » بغير واو ، بين الهمزة « ولم » . وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أي خلقنا من ماء الذكر والأنثى ، كل حيوان . أو صيّرنا كل شيء حييّ بسبب من الماء لا بدّله من ذلك وقرئ حيا بالنصب مفعولا ثانيا أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) أي ألا يتدبرون هذه الأدلة فلا يؤمنون بتوحيدي ! وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أي جبالا ثوابت أوتادا لها أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ، أي كراهة أن تتحرك بهم . قال ابن عباس : إن الأرض بسطت على الماء ، فكانت تتكفأ بأهلها ، كما تتكفأ السفينة ، فأرساها اللّه تعالى بالجبال الثقال ، وَجَعَلْنا فِيها أي في الجبال فِجاجاً أي مسالك واسعة سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 31 ) ، أي لكي يهتدوا إلى منافعهم ، وإلى وحدانية اللّه بالاستدلال . وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً على الأرض ، مَحْفُوظاً من السقوط ومن الشياطين بالشهب ، وَهُمْ عَنْ آياتِها أي عن الآيات الكائنة فيها ، الدالة على وحدانية اللّه تعالى ، وعلمه ، وقدرته ، وإرادته ، مُعْرِضُونَ ( 32 ) . لا يتفكرون فيبقون على الكفر والضلال . وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ ، أي كل واحد منهما فِي فَلَكٍ أي طاحونة مستديرة كهيئة فلك المغزل ، يَسْبَحُونَ ( 33 ) أي يسيرون في سطح الفلك كالسبح في الماء . والجملة حال من الشمس والقمر ، والجمع باعتبار المطالع . وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ، أي البقاء في الدنيا ، أَ فَإِنْ مِتَّ ، يا أشرف الخلق ، فَهُمُ الْخالِدُونَ ( 34 ) . في الدنيا أي إن متّ أنت يا خاتم الرسل ، أيبقى هؤلاء حتى يشمتوا بموتك . نزلت هذه الآية في قولهم ننتظر محمدا حتى يموت فنستريح . ويحتمل أنه لما ظهر أنه صلّى اللّه عليه وسلّم