الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
43
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
السماوية في كونه آية دالة على صدق محمد ، حتى طلبوا غيرها ، فإن في الصحف الأولى : بشارة بصفة محمد ، ونبوته ، وبعثته ، وأنباء الأمم الماضية ، وإهلاكهم بتكذيب الرسل وجحود الآيات . وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ ، أي ولو أنا أهلكنا أهل مكة في الدنيا بعذاب مستأصل من قبل مجيء محمد إليهم بالقرآن ، لَقالُوا يوم القيامة : رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا أي لم لم ترسل إلينا في الدنيا ، رَسُولًا مع كتاب ، فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ، أي فنطيع رسولك ونؤمن بكتابك مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ ، أي أن يحصل لنا الذل بالعذاب في الدنيا وَنَخْزى ( 134 ) . أي أن يحصل لنا الفضيحة بدخول النار اليوم ، ولكنا لم نهلكهم قبل إتيان البينات ، فانقطعت معذرتهم ، فعند ذلك قالوا : بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ ، فَكَذَّبْنا ، وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [ الملك : 9 ] . روي أن أبا سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يحتج على اللّه تعالى يوم القيامة ثلاثة : الهالك ، في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلّا كنت أطوع خلقك لك ، والمغلوب عقله ، يقول : لم تجعل لي عقلا أنتفع به ، ويقول الصبي : كنت صغيرا لا أعقل ، فترفع لهم نار ، ويقال لهم : ادخلوها ، فيدخلها من كان في علم اللّه أنه سعيد ، ويبقى من في علمه أنه شقي ، فيقول اللّه تعالى لهم : عصيتم اليوم ، فكيف برسلي لو أتوكم » . « 1 » قُلْ لأولئك الكفرة المتمردين : كُلٌّ أي كل واحد منا ومنكم مُتَرَبِّصٌ أي منتظر لما يؤول إليه أمرنا وأمركم . إما قبل الموت : بسبب الأمر بالجهاد ، وبسبب ظهور القوة ، وإما بالموت : فإن كل واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه . وإما بعد الموت : بظهور أمر الثواب والعقاب ، فيظهر على المحق أنواع كرامة اللّه تعالى ، وعلى المبطل أنواع إهانته . فَتَرَبَّصُوا . وقرئ « فتمتعوا » . فَسَتَعْلَمُونَ ، عن قريب بوعد من اللّه لا خلف فيه ، مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ أي العدل . وقرئ « السواء » أي الوسط الجيد . وقرئ « السوء » ، و « السوأى » ، و « السوي » ، تصغير السوء وَمَنِ اهْتَدى ( 135 ) إليه أنحن أم أنتم ؟ وهذا تهديد الكفار .
--> ( 1 ) رواه الطبري في التفسير ( 16 : 17 ) .