الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
22
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
ما سواه تعالى . والمراد من الوادي المقدس : طهارة عزة اللّه تعالى وجلاله . والمعنى : إنك لما وصلت إلى بحر المعرفة ، فلا تلتفت إلى المخلوقات اه . ويقال : معنى طوى قد طوته الأنبياء قبلك . قال ابن عباس : إنه عليه السلام مرّ بذلك الوادي ليلا فطواه ، فكان المعنى : أنك بالوادي المقدس الذي طويته طيا ، أي جاوزته حتى ارتفعت إلى أعلاه وعلى هذا إن « طوى » مصدر خرج عن لفظه . وَأَنَا اخْتَرْتُكَ للرسالة والكلام الذي خصصتك به . وقرأ حمزة : « وأنا اخترناك » بنون العظمة ، وبتشديد النون من « أنا » ، وبفتح الهمزة والكسر . وقرأ أبي بن كعب : « إني اخترتك » فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى ( 13 ) أي فاستمع للذي يوحي إليك مني . وقوله تعالى : وَأَنَا اخْتَرْتُكَ يفيد نهاية اللطف والرحمة . وقوله تعالى : فَاسْتَمِعْ يفيد نهاية الهيبة ، فكأنه تعالى قال : لقد جاءك أمر عظيم ، هائل ، فتأهب له ، واجعل كل خاطرك مصروفا إليه . فأرسله اللّه تعالى في ذلك الوقت ، في ذلك المكان ، وكان عمره حينئذ أربعين سنة إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ بدل مما يوحى ، لا إِلهَ إِلَّا أَنَا وهذا إشارة للعقائد العقلية ، فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ( 14 ) إي لتذكرني في الصلاة لاشتمالها على كلامي ، أو لذكري إياك بالمدح والثناء ، أو لإخلاص ذكري لا تقصد بالصلاة غرضا آخر . وهذا إشارة للأعمال الفرعية . إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أي كائنة لا بد ، أَكادُ أُخْفِيها ، أي أكاد أظهرها ، أي قرب إظهارها . ويؤيده قراءة فتح الهمزة أو المعنى ، أكاد أزيل عنها إخفاءها لأن أفعل قد يأتي بمعنى السلب ، كقولك أشكلت الكتاب ، أي أزلت إشكاله ، وهذا إشارة إلى العقائد السمعية ، وهذه الثلاثة جملة الدين . فإن أصول هذا الباب ترجع إلى ثلاثة : علم المبدأ ، وعلم الوسط ، وعلم المعاد . فعلم المبدأ ، هو معرفة اللّه تعالى ، وهو المراد بقوله تعالى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا وعلم الوسط ، هو علم العبودية ، فقوله تعالى : فَاعْبُدْنِي إشارة إلى الأعمال الجسمانية وقوله : لِذِكْرِي ، بمعنى لتكون ذاكرا لي غير ناس ، إشارة إلى الأعمال الروحانية ، فالعبودية أولها الأعمال الجسمانية ، وآخرها الأعمال الروحانية ، وعلم المعاد هو قوله تعالى : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها . لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ برة أو فاجرة بِما تَسْعى ( 15 ) أي بما تعمل من خير أو شر فقوله : لِتُجْزى متعلق ب « آتية » أو ب « أخفيها » . فَلا يَصُدَّنَّكَ أي فلا يصرفنّك يا موسى عَنْها ، أي عن ذكر الساعة ، مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ أي ميل نفسه إلى إنكار الساعة ، فإن منكر البعث إنما أنكره اتباعا للهوى لا للدليل ، فَتَرْدى ( 16 ) أي فتهلك بالنار . فاللّه تعالى راعى هذا الترتيب الحسن في هذا الباب ، لأنه قال لموسى أولا فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وهو إشارة إلى الأمر ، بتطهير السر عما سوى اللّه تعالى ، ثم أمره بتحصيل ما يجب تحصيله من التكاليف ، وافتتحها بمحض اللطف ، وهو قوله تعالى : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ واختتمها بمحض القهر وهو قوله تعالى : فَلا