الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
19
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
عند الرحمن ؟ عهد ، فيدخلون الجنة » « 1 » . وَقالُوا أي الكافرون اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) عزيرا ، والمسيح ، والملائكة ، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) أي لقد قلتم قولا منكرا عظيما تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ ، أي يتشققن مِنْهُ أي من قولهم ، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ أي تنخسف بهم ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أي تسقط الجبال منطبقة عليهم . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) أي من نسبهم ولدا للرحمن ، وهذا بدل من الهاء في منه . قال ابن عباس : فزعت السماوات والأرض والجبال ، وجميع الخلائق إلا الثقلين ، وغضبت الملائكة حين قالوا : اللّه ولد ، أي استعظاما للكلمة ، وتهويلا من فظاعتها ، وتصويرا لأثرها في الدين . وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) ، لأن الولد لا بد وأن يكون شبيها بالوالد ، ولا مشبه للّه تعالى . ولأن اتخاذ الوالد إنما يكون لأجل سرور الوالد به ، واستعانته به ، وذكر جميل به ، وكل ذلك لا يليق به تعالى ، محال عليه . وهذه الجملة حال من فاعل قالوا أو دعوا ، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 ) ، أي ما من أحد فيهما إلا مملوك له ، مقرّ له بالعبودية ، مطيع له ، غير الكافر . لَقَدْ أَحْصاهُمْ فلا يكاد يخرج منهم أحد من حيطة علمه ، وقبضة قدرته وملكوته ، لَكَ صَدْرَكَ ( 1 ) أي عدّ أشخاصهم ، وأنفاسهم ، وأفعالهم ، وكل شيء عنده بمقدار ، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً ( 95 ) أي كل واحد منهم يجيء إلى اللّه وحيدا ، بلا مال ، ولا أتباع . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ( 96 ) أي سيحدث لهم في القلوب محبة ، من غير تعرض للأسباب من قرابة ، أو صداقة ، أو اصطناع معروف ، أو غير ذلك تخصيصا لأوليائه بهذه الكرامة . كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب إعظاما لهم . أي إن اللّه تعالى وعدهم أن يؤلف بين قلوبهم في الدنيا إذا ظهر الإسلام ، وأن يحبّبهم إلى خلقه يوم القيامة ، بما يظهر من حسناتهم ، وينشر من ديوان أعمالهم ، على رؤوس الأشهاد . فَإِنَّما يَسَّرْناهُ أي القرآن بِلِسانِكَ أي أنزلناه ميسرا بلغتك لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ ، بامتثال ما فيه من الأمر والنهي ، وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( 97 ) ، أي الذين يجادلون فيه بالباطل وهم كفار مكة . وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي قرونا كثيرا أهلكنا قبل هؤلاء المعاندين ، هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ( 98 ) أي هلكوا جميعا فلم يبق منهم عين ، ولا أثر فلا يرى منهم أحد ، ولا يسمع منهم صوت حفي ، أي فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء . وختم اللّه تعالى هذه السور بموعظة بليغة ، لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا ومن الانتهاء إلى الموت ، خافوا ذلك وخافوا سواء العاقبة في الآخرة ، فكانوا أقرب إلى الحذر من المعاصي .
--> ( 1 ) رواه ابن حجر في الكاف والشاف في تخريج أحاديث الكشاف ( 108 ) .