الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
16
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
بعذاب أعظم ، لأن عذاب الضّال المضل ، يجب أن يكون فوق من يضلّ تبعا لغيره ، وليس عذاب من يتجبّر كعذاب المقلّد ، وليس عذاب من يورد الشبه في الباطل ، كعذاب من يقتدي به مع الغفلة . ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها أي أحقّ بجهنم صِلِيًّا ( 70 ) أي دخولا فنبدأ بهم . وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها أي ما منكم أيها الإنسان أحد إلّا حاضر قرب جهنم ، ويمرّ بها المؤمنون ، وهي خامدة ، وتنهار بعيرهم . و عن جابر أنه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل فقال : « إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قال بعضهم لبعض : أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار ؟ فيقال لهم : قد وردتموها وهي خامدة » « 1 » . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية » « 2 » ، فقالت حفصة أليس اللّه يقول : وإن منكم إلّا واردها ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ثم ننجي الذين اتقوا » أي نبعدهم عن عذاب جهنم . وقيل : ورود جهنم هو الجواز على الصراط الممدود عليها ، وقيل : الورود : الدخول ، فالمؤمنون يدخلون النار من غير خوف وضرر البتة ، بل مع الغبطة والسرور . كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) أي كان ورودهم إياها أمرا محتوما أوجبه اللّه تعالى على ذاته . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا من الكفر والمعاصي ، أي نخرجهم منها ، فلا يخلدون بعد أن أدخلوا فيها ، وإنما دخلوا لهم فيها ليشاهدوا العذاب ، ليصير ذلك سببا لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة . وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ ، بالكفر والمعاصي فِيها أي جهنم جِثِيًّا ( 72 ) أي منهارا بهم . وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ أي المشركين ، آياتُنا الناطقة بحسن حال المؤمنين ، وسوء حال الكفرة ، بَيِّناتٍ أي مرتلات الألفاظ ، مبينات المعاني ، قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي مردوا منهم على الكفر ، ومرنوا على العناد ، وهم : النضر بن الحرث ، وأتباعه الفجرة . لِلَّذِينَ آمَنُوا أي لفقراء المؤمنين الذين هم في خشونة عيش ، ورثاثة ثياب وضيق منزل ، واللام للتبليغ لأنهم شافهوا المؤمنين وخاطبوهم بقولهم : أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أي المؤمنين والكافرين خَيْرٌ مَقاماً أي منزلا . وقرأ ابن كثير بضم الميم وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) أي مجلسا أي أنحن أو أنتم . روي أنهم كانوا يرجلون شعورهم ، ويدهنونها ، ويتطيبون ، ويتزينون بالزينة الفاخرة ، ثم يدعون فقراء المؤمنين ، ويقولون مفتخرين عليهم : انظروا إلى منازلنا فتروها أحسن من منازلكم ، وانظروا إلى مجالسنا عند التحدث ومجلسكم ، فترونا نجلس في صدر المجلس ، وأنتم في طرفه الحقير . فإذا كنا بهذه المثابة ، وأنتم بتلك ، فنحن عند اللّه خير منكم ، ولو كنتم على خير لأكرمكم بهذه الأمور ، كما أكرمنا بها .
--> ( 1 ) رواه ابن عبد البر في التمهيد ( 7 : 156 ) ، بما معناه . ( 2 ) رواه أحمد ( م 6 / ص 362 ) .