الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

13

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

سنة . وقد وعد من نفسه الصبر على الذبح فوفى به ، وَكانَ رَسُولًا إلى جرهم - وهم قبيلة من عرب اليمن نزلوا في وادي مكة - بشريعة أبيه ، فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته . نَبِيًّا ( 54 ) ، يخبر عن اللّه ، وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ ، أي قومه ، بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ، أي الصدقات الواجبة ، وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ( 55 ) ، أي فائزا في كل طاعاته بأعلى الدرجات . وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ ، وهو سبط شيث وجدّ أبي نوح إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً ، أي ملازما للصدق في جميع أحواله ، نَبِيًّا ( 56 ) ، وهذا مخصص للخبر الأول ، إذ ليس كل صديق نبيا . وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 ) ، وهو السماء الرابعة . وكان سبب رفعه إليها ، أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس ، فقال : يا ربّ إني قد مشيت فيها يوما فأصابني منها ما أصابني ، فكيف من يحملها مسيّرة خمسمائة في يوم واحد ؟ اللهم خفف عنه من ثقلها ، وحرّها ، فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ، ما لا يعرف ، فقال : يا ربّ خففت عني حرّ الشمس ، فما الذي قضيت فيه ؟ قال : إن عبدي إدريس ، سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته ، قال : يا ربّ اجعل بيني وبينه خلة ، فأذن اللّه تعالى له حتى أتى إدريس ورفعه إلى السماء . أُولئِكَ العشرة المذكورون في هذه السورة ، الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، بفنون النعم الدينية والدنيوية ، مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ، وهو إدريس ، وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ أي ومن ذرية من مع نوح في السفينة وهو إبراهيم فإنه من ذرية سام بن نوح ، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ ، وهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب ، وَإِسْرائِيلَ ، أي ومن ذرية يعقوب ، وهم يوسف ، وإخوته ، وموسى ، وهارون ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، وَمِمَّنْ هَدَيْنا ، أي ومن جملة من هديناهم إلى الحق . وَاجْتَبَيْنا أي اصطفيناهم للإسلام ، كعبد اللّه بن سلام ، وأصحابه واسم الموصول خبر اسم الإشارة ، ومن النبيين بيان للموصول ، ومن ذرية بدل بإعادة الجار ، ومن للتبعيض . إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ وهي ما خصهم اللّه تعالى به من الكتب المنزلة عليهم ، خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ( 58 ) ، من مخافة اللّه تعالى . قال العلماء : ينبغي أن يدعو الساجد للتلاوة في سجدته بما يليق بآياتها ، فههنا يقول : اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم ، المهديين ، الساجدين لك ، الباكين عند تلاوة آياتك ، اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك ، المسبحين بحمدك ، وأعوذ بك من أن أكون من المستكبرين عن أمرك . فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ، أي حدث من بعد النبيين جماعة سوء ويقال لعقب الخير : « خلف » بفتح اللام ولعقب الشر : « خلف » بالسكون . أَضاعُوا الصَّلاةَ ، أي تركوها ، وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : هم اليهود ، تركوا الصلاة المفروضة ، وشربوا الخمر ، واستحلوا نكاح الأخت من الأب . وعن علي رضي اللّه عنه : هم من بني المشيد ، وركب المنظور ، ولبس المشهور . فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ( 59 ) أي واديا في جهنم ، بعيدا قعره ، تستعيذ منه