الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
123
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
من يشاربه ، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل ، فأعلم اللّه تعالى أن الرجل إذا أكل وحده لا حرج عليه هذا قول ابن عباس رضي اللّه عنهما . فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ أي إذا دخلتم بيوتا من البيوت المذكورة فسلموا على أهلها الذين بمنزلة أنفسكم لما بينكم وبينهم من القرابة الدينية والنسبية ، فاللّه تعالى جعل أنفس المسلمين كالنفس الواحدة على مثال قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ وقال ابن عباس : إن لم يكن في البيت أحد فليقل : السلام علينا من قبل ربنا ، وإذا دخل المسجد فليقل : السلام على رسول اللّه وعلينا من ربنا . وقال قتادة : إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك فهم أحق بالسلام ممن سلمت عليهم ، وإذا دخلت بيتا لا أحد فيه فقل : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، وحدثنا أن الملائكة ترد عليه . وقال القفال : وإن كان في البيت أهل الذمة فليقل : السلام على من اتبع الهدى . تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ منصوب على المصدر من معنى فسلموا أي فحيوا تحية ثابتة بأمره ، مطلوبة من عنده . مُبارَكَةً أي مضاعفة في الثواب ؛ كما قاله الضحاك ، طَيِّبَةً أي تطيب بالتحية نفس المستمع . و عن أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « متى لقيت أحدا من أمتي فسلم عليه يطل عمرك وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين » « 1 » . كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي يفصل شرائعه لكم ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 61 ) ، أي لتفهموا عن اللّه أمره ونهيه . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ أي الرسول عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ، أي إنما الكاملون في الإيمان الذين آمنوا باللّه ورسوله عن صميم قلوبهم ، وأطاعوهما في جميع الأحكام ، كما إذا كانوا معه صلّى اللّه عليه وسلّم على أمر موجب للاجتماع في شأنه لم يتفرقوا عنه حتى يطلبوا منه الإذن فيأذن لهم . قال الكلبي كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا صعد المنبر يوم الجمعة يعرض في خطبته بالمنافقين ويعيبهم فينظرون يمينا وشمالا فإذا لم يرهم أحد خرجوا ولم يصلوا ، وإن أبصرهم أحد لبثوا وصلوا خوفا ، فكان المؤمن إذا أراد أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر قام بحيال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحيث يراه فيعرف أنه إنما قام ليستأذن ، فيأذن لمن شاء منهم . إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ رعاية للأدب معك وتعظيما لهذا الأمر أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي يعملون بمقتضى الإيمان . قال الضحاك ومقاتل : المراد سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وذلك أنه خرج مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة تبوك ، فاستأذنه في الخروج إلى أهله لعلة كانت به ، فأذن له وقال : ارجع إلى المدينة فلست بمنافق ، فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ أي أمرهم المهم فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ لما علمت في ذلك من مصلحة .
--> ( 1 ) رواه السيوطي في الدر المنثور ( 5 : 64 ) .