الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
121
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
بعضكم طائف على بعض ، طوافا ، كثير اللجاجة يروى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث غلاما من الأنصار يقال له : مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه ، فوجده نائما وقد أغلق عليه الباب فدق الغلام عليه الباب ، وحركه ورده ودفعه فناداه ودخل فاستيقظ عمر ، فانكشف منه شيء . فقال عمر : وددت أن اللّه تعالى ينهى آباءنا وأبناءنا ونساءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا في هذه الساعات إلا بإذن ، ثم انطلق معه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية ، فحمد اللّه تعالى وخرّ ساجدا شكر اللّه تعالى فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « وما ذاك يا عمر ؟ » فأخبره بما فعل الغلام ، فتعجب رسول اللّه من صنعه وقال : « إن اللّه يحب الحليم الحيي العفيف المتعفف ويبغض البذيء الجريء السائل الملحف » « 1 » . كَذلِكَ أي مثل ذلك التبيين يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الدالة على الأحكام وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوالكم حَكِيمٌ ( 58 ) ، فيشرع لكم ما فيه صلاح أمركم معاشا ومعادا وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ أي إذا بلغ الأطفال الأحرار الأجانب سن نزول المنى سواء رأى منيا أو لا . فَلْيَسْتَأْذِنُوا إذا أرادوا الدخول عليكم في جميع الأوقات كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي استئذانا كاستئذان الذين ذكروا من قبلهم في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا الآية . كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي هكذا ينزل اللّه لكم آياته واضحة الدلالة على الأحكام وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأمور خلقه حَكِيمٌ ( 59 ) فيما دبره لهم ، وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً أي والعجائز الكائنة من النساء اللاتي لا يحتجن إلى الزوج لكبرهن بحيث إذا رآهن الرجل استقذرهن ، فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ أي أن ينزعن بحضرة الرجال عنهن ثيابهن الظاهرة فوق الثياب الساترة كالملحفة . وعن ابن عباس أنه قرأ : « أن يضعن جلابيبهن » ، وعن السدي عن شيوخه أنه قرأ « أن يضعن خمرهن عن رؤوسهن » . وعن بعضهم أنه قرأ « أن يضعن من ثيابهن » . غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ أي غير مظهرات لمحاسنها ولزينتها الخفية ، وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ أي استعفافهن بعدم إلقاء الجلباب خير لهن من الإلقاء لبعده من المظنة ، فعند المظنة يلزمهن أن لا يلقين ذلك ، كما يلزم مثله في الشابة ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ لما يجري بينهن وبين الرجال من المقاولة ، عَلِيمٌ ( 60 ) بمقاصدهن لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ أي ليس على هؤلاء الطوائف مأثم في أكلهم مع السالمين من هذه النقائص الثلاثة ، فإنهم تركوا مؤاكلة الأصحاء . فقال الأعمى : إني لا أرى شيئا فربما آخذ الأجود وأترك الأرد ، أو خاف الأعرج والمريض أن يفسد الطعام على الأصحاء . وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما : كان العرجان والعميان
--> ( 1 ) رواه أبو داود في كتاب البيوع ، باب : الرجل يأكل من مال ولده .