الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

119

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ أي فإن تعرضوا عن طاعة اللّه وطاعة رسوله فاعلموا أن ما على الرسول ما أمر به من تبليغ الرسالة وقد شاهدتموه عند قوله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ . وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ أي ما أمرتم به من الطاعة . وعن نافع أنه قرأ « ما حمل » بفتح الحاء والميم مع التخفيف أي عليه ما حمل من أعباء الرسالة ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ فيما أمركم به من الطاعة تَهْتَدُوا أي تصيبوا الحق وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 54 ) أي ما على الرسول إلا التبليغ عن اللّه الموضح لكل ما يحتاج إلى الإيضاح ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ يا أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أي أقسم اللّه على من جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح من أصحاب محمد ليجعلنهم بدلا عن الكفار متصرفين في الأرض العرب والعجم تصرف الملوك في مماليكهم ، كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كما استخلف اللّه تعالى بني إسرائيل في مصر والشام بعد إهلاك فرعون والجبابرة ، وكما استخلف هارون ويوشع ، وداود ، وسليمان . وقرأ أبو بكر والمفضل عن عاصم بضم التاء وكسر اللام فالموصول مرفوع بخلاف قراءة الجمهور من فتح التاء واللام فإن الموصول منصوب وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ أي وليثبتن اللّه لهم دينهم الذي اختار لهم وهو الإسلام وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ من الأعداء أَمْناً ، لأنه كان أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مكة قبل الهجرة خائفين ، ثم هاجروا إلى المدينة وكانوا فيها يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى قال رجل منهم : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تعبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس معه حديدة » . فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، وأنجز وعده وفتح لهم بلاد الشرق والغرب . وقرأ ابن كثير وعاصم ويعقوب بسكون الباء الموحدة يَعْبُدُونَنِي حال من الموصول الأول الذي هو مفعول « وعد » أو استئناف بيان لجواب سؤال مقدر ، كأنه قيل : ما بالهم يستخلفون ويثبتون في دين الإسلام ويأمنون فقيل : يعبدونني . لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً حال من الفاعل ، أي يعبدونني غير مشركين بي في العبادة شيئا من الأوثان ، وَمَنْ كَفَرَ أي جحد حق هذه النعم بأن لا يقيموا حقها بَعْدَ ذلِكَ أي بعد الاستخلاف والتمكين والتبديل فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 55 ) أي العاصون الخارجون عن حريم الأمن ، وأول من كفر بتلك النعم قتلة عثمان رضي اللّه عنه . وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ عطف على مقدر يطلبه نظام الكلام تقديره : فلا تكفروا وأقيموا الصلاة فإنها مواصلة بينكم وبين ربكم . وَآتُوا الزَّكاةَ فإنها مواصلة بينكم وبين إخوانكم ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 56 ) أي راجين أن ترحموا لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ، والخطاب لكل أحد ممن يصلح له ، والموصول مفعول أول ، و « معجزين » مفعول ثان و « في الأرض » ظرف له لإفادة شمول عدم الإعجاز