الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
102
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
البينة وإما إقامة الحد عليك » . فقال هلال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن اللّه ما يبرئ ظهري من الحد ، فنزل جبريل وأنزل عليه والذين يرمون أزواجهم حتى بلغ إن كان من الصادقين فلما سرى عنه قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أبشر يا هلال فقد جعل اللّه لك فرجا » . قال : قد كنت أرجو ذلك من اللّه تعالى فقرأ عليهم هذه الآيات فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ادعوها » فدعيت ، فكذبت هلال ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللّه يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب ؟ » وأمر بالملاعنة ، فشهد هلال أربع شهادات باللّه أنه لمن الصادقين فقال صلّى اللّه عليه وسلّم عند الخامسة : « اتق اللّه يا هلال فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة » فقال : واللّه لا يعذبني اللّه عليها كما لم يجلدني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وشهد الخامسة ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أتشهدين ؟ » فشهدت أربع شهادات باللّه أنه لمن الكاذبين فلما أخذت في الخامسة قال لها : « اتقي اللّه فإن الخامسة هي الموجبة » ، فتفكرت ساعة وهمّت بالاعتراف ، ثم قالت : « واللّه لا أفضح قومي وشهدت الخامسة أن غضب اللّه عليها إن كان من الصادقين ففرق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بينهما ثم قال : « انظروها فإن جاءت به أثيبج أصهب أحمش الساقين ، فهو لهلال وإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سمحاء » « 1 » ، فجاءت به كذلك وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ( 10 ) لكان ما كان أي لو لم يشرع اللّه لهم اللعان لوجب على الزوج حد القذف مع أن الظاهر أنه لا يفترى عليها لاشتراكهما في الفضيحة ، ولأنه أعرف بحال زوجته ، وإنما أوجب اللّه لهم أربعة شهداء للستر على من اقترف الكبائر وبعد ما شرع لهم ذلك لو جعل أيمانه موجبة لحد الزنا عليها لفات النظر لها ، ولو جعل أيمانها موجبة لحد القذف عليه لفات النظر له فجعل أيمان كل منهما دارئة للغائلة الدنيوية مع كذب أحدهما حتما ، وفي ذلك آثار التفضل والرحمة ، أما على الصادق فظاهر ، وأما على الكاذب فهو إمهاله في الدنيا بدرء الحد عنه لعله يتوب في الدنيا فغفر له . وكما ستر اللّه عليهم في الدنيا ولم يفضحهم بإظهار صدقهم وكذبهم وأجلهم بالعقوبة إلى الآخرة لدرك التوبة في الدنيا ، كذلك جعل سنة اللعان باقية بين المسلمين لتكون الحكمة باقية بينهم سبحانه ما أعظم شأنه وأوسع رحمته وأدق حكمته ، إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ أي بأبلغ الكذب عُصْبَةٌ مِنْكُمْ أي جماعة من المؤمنين ؛ وهم زيد بن رفاعة ، وحسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وعباد بن المطلب ، وحمنة بنت جحش ، وهي زوجة طلحة بن عبيد اللّه . و « عصبة » خبر « إن » وهي من العشرة إلى الأربعين لا تَحْسَبُوهُ الإفك شَرًّا لَكُمْ والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأبي بكر وعائشة وصفوان بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لاكتسابكم به الثواب العظيم ، وظهور كرامتكم على اللّه تعالى بإنزال ثماني عشرة آية في براءتكم ، وتعظيم شأنكم ، فإن قصة الإفك كانت في حق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي حق عائشة وأبويها ، وفي حق جميع الصحابة امتحانا لهم
--> ( 1 ) رواه أحمد في ( م 6 / ص 369 ) .