الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
75
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ فشربها قوم وتركها آخرون ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم فشربوا وسكروا فقام بعضهم يصلي إماما فقرأ : قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون بحذف لا ، فنزلت : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فقلّ من شربها ، ثم اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص فلما سكروا وافتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء للأنصار فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه شجة موضحة فشكا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [ المائدة : 90 ] . فقال عمر : انتهينا يا رب . وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ أي أيّ قدر ينفقونه نزلت هذه الآية في شأن عمرو بن الجموح سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ماذا نتصدق من أموالنا ؟ وقيل : السائل معاذ بن جبل وثعلبة . وقال الرازي : كان الناس لما رأوا اللّه ورسوله يحضان على الإنفاق ويدلان على عظيم ثوابه سألوا عن مقدار ما كلفوا به هل هو كل المال أو بعضه ؟ فأعلمهم اللّه تعالى أن العفو أي الفاضل عن الكفاية مقبول قُلِ الْعَفْوَ أي ما سهل مما يكون فاضلا عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله ومن تلزمه مؤونتهم كَذلِكَ أي كما بيّن اللّه لكم قدر المنفق وحكم الخمر والميسر بأن فيهما منافع في الدنيا ومضار في الآخرة يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الدالة على الأحكام الشرعية لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 219 ) فِي الدُّنْيا أنها فانية وَالْآخِرَةِ أنها باقية ، فإذا تفكرتم في أحوال الدنيا والآخرة علمتم أنه لا بدّ من ترجيح الآخرة على الدنيا وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى كان أهل الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعا في مالها ثم إن اللّه تعالى أنزل قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [ النساء : 10 ] وقوله : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ الأنعام : 152 ] فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى والمقاربة من أموالهم والقيام بأمورهم فاختلّت مصالح اليتامى وساءت معيشتهم فثقل ذلك على الناس فقال عبد اللّه ابن رواحة ، وقيل : ثابت بن رفاعة الأنصاري : يا رسول اللّه ما لكلنا منازل تسكنها الأيتام ، ولا كلنا يجد طعاما وشرابا يردهما لليتيم فهل يجوز مخالطة اليتامى بالطعام والشراب والمسكن أم لا ؟ فنزلت هذه الآية : قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ أي قل يا أشرف الخلق إصلاح أموالهم من غير أخذ أجرة خير لكم من ترك مخالطتهم وأعظم أجرا لكم وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ أي وإن تخالطوهم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز لأنهم إخوانكم في الدين وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ أي يعرف المفسد لأموالهم بالمخالطة من المصلح لها وقيل : يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في أموالهم بالنكاح ممن أراد الإصلاح وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ أي لكلفكم ما يشتد عليكم أو لضيق الأمر عليكم في مخالطتهم إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي غالب على أمره قوي بالنقمة لمفسد مال اليتيم حَكِيمٌ ( 220 ) يحكم بما تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس طاقة البشر وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ أي