الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
117
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
الرسل عليهم السلام . نزلت هذه الآية لما ادّعت اليهود أنه لا دين أفضل من اليهودية ، وادعت النصارى أنه لا دين أفضل من النصرانية فرد اللّه عليهم ذلك وقال : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ . وقرأ الكسائي بفتح همزة « أن » وهو إما بدل من أنه بدل كان من كل إن فسر الإسلام بالتوحيد نفسه أي بالإيمان بكونه تعالى واحدا . وبدل كل من بعض إن فسر الإسلام بالشريعة ، فإنها تشتمل على التوحيد والعدل ونحوهما . أو معطوف على أنه بحذف حرف العطف ، أو مبني على أن شهد واقع على أن الدين إما بإجراء أنه على التعليل ، والتقدير شهد اللّه لأجل أنه لا إله إلا هو : إِنَّ الدِّينَ الآية . أو بإجرائه على قراءة ابن عباس وهو بكسره على جعل جملة « أنه » اعتراضا وعلى أن الدين من باب تقديم وتأخير ، والتقدير شهد اللّه أن الدين عند اللّه الإسلام ، وشهد بذلك الملائكة والنبيون والمؤمنون ، أو بإجراء « شهد » مجرى قال ، مع جعل « إن الدين » معمولا للحكيم ، بإسقاط الجار ، أي الحكيم بأن الدين . أما جعله بدل اشتمال من أنه فممتنع بذلك التفسير لأنه صار البدل أشمل من المبدل منه ، ولأن شرط بدل الاشتمال أن يكون المخاطب منتظرا للبدل عند سماع المبدل منه وهنا ليس كذلك . ولا سيما أن هنا فصلا بين البدل والمبدل منه بأجنبي وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي أعطوا التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى في دين الإسلام وأنكروا نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا : نحن أحق بالنبوة من قريش - لأنهم أميون - ونحن أهل الكتاب . إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ أي لأجل الحسد الكائن بينهم وطلب الرياسة لا لشبهة وخفاء في الأمر وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ الناطقة بأن الدين عند اللّه هو الإسلام بأن لم يعمل بمقتضاها فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 19 ) أي فإن اللّه يجازيه على كفره عن قريب ، فإنه يأتي حسابه عن قريب . فَإِنْ حَاجُّوكَ أي خاصمك اليهود والنصارى في أن الدين عند اللّه الإسلام بعد قيام الحجة عليهم فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ أي أخلصت نفسي أو عملي لِلَّهِ لا أشرك به في ذلك غيره وَمَنِ اتَّبَعَنِ عطف على التاء في أسلمت أي وأسلم من اتبعني أو مفعول معه وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي اليهود والنصارى وَالْأُمِّيِّينَ أي الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب : أَ أَسْلَمْتُمْ أي فهل أسلمتم بعد أن أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام أم أنتم على الكفر ؟ روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما قرأ هذه الآية على أهل الكتاب قالوا : أسلمنا . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أتشهدون أن عيسى كلمة اللّه وعبده ورسوله ؟ » . فقالوا : معاذ اللّه . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم للنصارى : « أتشهدون أن عيسى عبد اللّه ورسوله ؟ » . فقالوا : معاذ اللّه أن يكون عيسى عبدا . فَإِنْ أَسْلَمُوا كما أسلمتم فَقَدِ اهْتَدَوْا للفوز والنجاة في الآخرة وَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإسلام والاتباع لدينك لم يضروك شيئا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أي إبلاغ الأدلة وإظهار الحجة فإذا بلّغت ما جاءك