صديق الحسيني القنوجي البخاري
95
فتح البيان في مقاصد القرآن
محمولا على ظاهره نفيا للنفاق عن أنفسهم ، وهو الأشبه ، ومثل نشهد نعلم فإنه أيضا يجري مجرى القسم ، كما في قول الشاعر : ولقد علمت لتأتين منيتي * إن المنايا لا تطيش سهامها « 1 » وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها ، وهو ما أظهروه من الشهادة ، وإن كانت بواطنهم على خلاف ذلك وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ أي في شهادتهم التي زعموا أنها من صميم القلب ، وخلوص الاعتقاد ، لا في منطوق كلامهم ، وهو الشهادة بالرسالة ، فإنه حق يعني أنهم لكاذبون فيما تضمنه كلامهم ، من التأكيد الدال على أن شهادتهم بذلك صادرة عن خلوص اعتقاد ، وطمأنينة قلب ، وموافقة باطن لظاهر ، أو إنهم كاذبون عند أنفسهم ، لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم : إنك لرسول اللّه كذب ، وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه . اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً أي جعلوا حلفهم الذي حلفوا لكم به إنهم لمنكم ، وإن محمدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقاية تقيهم منكم ، وسترة يستترون بها من القتل والأسر ، قال النسفي : وفيه دليل على أن أشهد يمين ، قال ابن عباس : اجتنبوا بأيمانهم من القتل والحرب ، والجملة مستأنفة لبيان كذبهم وحلفهم عليه ، قرأ الجمهور أيمانهم بفتح الهمزة وقرىء بكسرها ، وقد تقدم تفسير هذا في سورة المجادلة ، والجنة الترس ونحوه ، وكل ما يقيك سوءا ومن كلام الفصحاء جبة البرد جنة البرد . فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي منعوا الناس عن الإيمان والجهاد وأعمال الطاعة ، بسبب ما يصدر منهم من التشكيك ، والقدح في النبوة ، وهذا معنى الصد الذي بمعنى الصرف ، ويجوز أن يكون بمعنى الصدود ، أي أعرضوا عن الدخول في سبيل اللّه وإقامة أحكامه إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من النفاق والصد ، و ساءَ هذه هي الجارية مجرى بئس ، في إفادة الذم ، ومع ذلك ففيها معنى التعجيب ، وتعظيم أمرهم عند السامعين . ذلِكَ أي ما تقدم ذكره من الكذب والصد وقبح الأعمال بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم آمَنُوا باللسان في الظاهر نفاقا ثُمَّ كَفَرُوا بالقلب في الباطن ، فثم للترتيب الإخباري لا الإيجادي ، أو أظهروا الإيمان للمؤمنين وأظهروا الكفر للكافرين ، وهذا
--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو للبيد بن ربيعة في ديوانه ص 308 ، وتخليص الشواهد ص 453 ، وخزانة الأدب 9 / 159 ، 161 ، والدرر 2 / 263 ، وشرح شواهد المغني 2 / 828 ، والكتاب 3 / 110 ، والمقاصد النحوية 2 / 405 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 2 / 61 ، وخزانة الأدب 10 / 334 ، وسر صناعة الإعراب ص 400 ، وشرح الأشموني 1 / 161 ، وشرح شذور الذهب ص 471 ، وشرح قطر الندى ص 176 ، ومغني اللبيب 2 / 401 ، 407 ، وهمع الهوامع 1 / 154 .