صديق الحسيني القنوجي البخاري

84

فتح البيان في مقاصد القرآن

مبتدأ ، وقرأوا القدوس بضم القاف وقرىء بفتحها ، وقد تقدم تفسيره عن ميسرة أن هذه الآية يعني أول سورة الجمعة مكتوبة في التوراة بسبعمائة آية . هُوَ الَّذِي بَعَثَ أرسل فِي الْأُمِّيِّينَ أي إليهم والمراد بهم العرب من كان يحسن الكتابة منهم ، ومن لا يحسنها لأنهم لم يكونوا أهل كتاب ، والأمي في الأصل الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب ، وكان غالب العرب كذلك ، وقال النسفي : الأمي منسوب إلى أمة العرب لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون من بين الأمم ، وقيل : بدأت الكتابة بالطائف وهم أخذوها من أهل الحيرة ، وأهل الحيرة من أهل الأنبار انتهى . وعن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب » « 1 » أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما . رَسُولًا مِنْهُمْ أي من أنفسهم ومن جنسهم ومن جملتهم ، كما في قوله : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ التوبة : 128 ] وما كان حي من أحياء العرب إلا ولرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيهم قرابة ، وقد والوه ، ووجه الامتنان بكونه منهم أن ذلك أقرب إلى الموافقة لأن الجنس أميل إلى جنسه وأقرب إليه ، وقيل : أميا مثلهم وإنما كان أميا لأن نعته في كتب الأنبياء النبي الأمي وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة بالكتابة على ما أتى به من الوحي ، والحكمة ، ولكون حاله مشاكلة لحال أمته الذين بحث فيهم ، وذلك أقرب إلى صدقه ، والاقتصار هنا في المبعوث إليهم على الأميين لا ينافي أنه مرسل إلى غيرهم لأن ذلك مستفاد من دليل آخر كقوله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ سبأ : 28 ] . يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ يعني القرآن مع كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب . ولا تعلم ذلك من أحد والجملة حال أو نعت ل رَسُولًا وكذا قوله : وَيُزَكِّيهِمْ أي يطهرهم من دنس الكفر والذنوب قاله ابن جريج ومقاتل ، وقيل : من الشرك وخبائث الجاهلية ، وقال السدي : يأخذ زكاة أموالهم ، وقيل : يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان ، وقال الكرخي : يحملهم على ما يصيرون به أزكياء من حيث العقائد . وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ الجملة صفة ثالثة ل رَسُولًا ، والمراد بالكتاب القرآن وبالحكمة السنة كذا قال الحسن وقيل : الكتاب الخط بالقلم والحكمة الفقه في الدين ، كذا قال مالك بن أنس ، وقيل : المراد بالكتاب الفرائض وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ أي من قبل بعثته فيهم ، ومجيئه إليهم لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي في شرك وذهاب عن الحق وكفر وجهالة ، وإن مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها أي كانوا في ضلال واضح لا ترى ضلالا أعظم منه .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصوم باب 13 ، ومسلم في الصيام حديث 15 ، وأبو داود في الصوم باب 4 ، والنسائي في الصيام باب 17 ، وأحمد في المسند 2 / 122 .