صديق الحسيني القنوجي البخاري
80
فتح البيان في مقاصد القرآن
تشريفا لكونه أوقع في النفس ، وقيل : المعنى سأدلكم ، وهذا خطاب لجميع المؤمنين ، وقيل لأهل الكتاب عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ جعل العمل المذكور بمنزلة التجارة لأنهم يربحون فيه كما يربحون فيها ، وذلك بدخولهم الجنة ونجاتهم من النار ، قرأ الجمهور تنجيكم من الإنجاء ، وقرىء من التنجية ، وهما سبعيتان . عن أبي هريرة قال : « قالوا لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى اللّه ؟ فنزلت هذه الآية فكرهوا فنزلت : لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ [ الصف : 2 ] إلى قوله بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ [ الصف : 4 ] أخرجه ابن مردويه ، قال مقاتل : نزلت في عثمان بن مظعون قال : وددت يا نبي اللّه أعلم أي التجارات أحب إلى اللّه فأتجر فيها ؟ ثم بين سبحانه هذه التجارة التي دل عليها فقال : تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي تدومون على الإيمان لأن الخطاب مع المؤمنين ، وتؤمنون خبر بمعنى الأمر للإيذان بوجوب الامتثال ، فكأنه قد وقع ، فأخبر بوقوعه ، وقرأ ابن مسعود آمنوا وجاهدوا على الأمر ، وقرىء تؤمنوا وتجاهدوا على إضمار لام الأمر ، قال الأخفش تؤمنون عطف بيان لتجارة ، والأولى أن تكون الجملة مستأنفة مبينة لما قبلها . وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ قدم ذكر الأموال على الأنفس لأنها هي التي يبدأ بها في الإنفاق والتجهز إلى الجهاد ، أو لعزتها في ذلك الوقت ، أو لأنها قوام النفس ، وهذا بمنزلة الثمن الذي يدفعه المشتري ذلِكُمْ أي ما ذكر من الإيمان والجهاد خَيْرٌ لَكُمْ أي هذا الفعل خير لكم من أموالكم وأنفسكم ، أو من كل شيء إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي إن كنتم ممن يعلم ، فإنكم تعلمون أنه خير لكم إلا إذا كنتم من أهل الجهل فإنكم لا تعلمون ذلك . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ هذا بمنزلة المبيع الذي يأخذه المشتري من البائع في مقابلة الثمن المدفوع له ، وهذا جواب الأمر المدلول بلفظ الخبر ، ولهذا جزم . وقال الزجاج والمبرد : تُؤْمِنُونَ في معنى آمنوا ، ولذلك جاء يَغْفِرْ لَكُمْ مجزوما ، وقال الفراء ؛ هذا جواب الاستفهام فجعله مجزوما لكونه جوابه ، وقد غلطه بعض أهل العلم ، قال الزجاج : ليسوا إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم ، إنما يغفر لهم ، إذا آمنوا وجاهدوا ، وقال الرازي في توجيه قول الفراء : إن هَلْ أَدُلُّكُمْ في معنى الأمر عنده ، يقال : هل أنت ساكت ؟ أي : اسكت ؟ وبيانه أن هل بمعنى الاستفهام ، ثم يتدرج إلى أن يصير عرضا وحثا ، والحث كالإغراء ، والإغراء أمر ، وقيل : يَغْفِرْ لَكُمْ مجزوم بشرط مقدر أي إن تؤمنوا يغفر لكم ، وقرىء بالإدغام في يغفر لكم ، والأولى تركه لأن الراء حرف متكرر فلا يحسن إدغامه في اللام . وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ قد تقدم بيان كيفية جري الأنهار من تحت الجنات مرارا ، والمعنى :