صديق الحسيني القنوجي البخاري

78

فتح البيان في مقاصد القرآن

وفاران جبل بمكة ومجيئه من سيناء إعطاؤه التوراة لموسى ، وإشراقه من ساعير إعطاؤه الإنجيل لعيسى ، واستعلانه من جبل فاران إنزاله القرآن على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويؤيده ما في سفر التكوين في حال إسماعيل عليه السلام : وسكن برية فاران وأخذت له أمه امرأة من أرض مصر انتهى . ولا شك أن إسماعيل كان ساكنا بمكة المكرمة ، زاد اللّه شرفها ، إلى غير ذلك من الأدلة الصريحة التي ينكرها النصارى ، ويؤولونها على غير محاملها ، وكل من أسلم من علماء أهل الكتاب اليهود والنصارى في القرون الأولى ، بل إلى الآن شهد بوجود البشارات المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والتحية في كتب العهدين العتيق والجديد . وهكذا اعترف بصحة نبوته صلى اللّه عليه وسلم وعموم رسالته من حمله الشقاء على عدم الإسلام ، وقبول الإيمان ، كهرقل عظيم الروم ، ومقوقس صاحب مصر ، وابن صوريا ، وحييّ بن أخطب ، وأبو ياسر بن أخطب ، وأضرابهم ، واللّه سبحانه وتعالى يتم نوره ولو كره الكافرون وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية . فَلَمَّا جاءَهُمْ عيسى بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات والآيات قالُوا هذا الذي جاءنا به سِحْرٌ مُبِينٌ أي واضح ظاهر ، وقيل : المراد محمد صلى اللّه عليه وسلم لما جاءهم بذلك ، قالوا هذه المقالة والأول أولى ، بل هو المتبادر من السياق ، وهما قولان حكاهما المفسرون قرأ الجمهور : سِحْرٌ ، وقرىء ساحر ، وهما سبعيتان . [ سورة الصف ( 61 ) : الآيات 7 إلى 13 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 7 ) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 8 ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( 9 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 10 ) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 11 ) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 13 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي لا أحد أكثر ظلما منه حيث يفتري على اللّه الكذب بنسبة الشريك والولد إليه ووصف آياته بالسحر وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ أي والحال أنه يدعى أي يدعوه ربه على لسان نبيه إلى دين الإسلام الذي هو خير الأديان وأشرفها ، وفيه سعادة الدارين ، لأن من كان كذلك فحقه أن لا يفتري على غيره الكذب ، فكيف يفتريه على ربه ؟ قرأ الجمهور يُدْعى من الدعاء مبنيا للمفعول ، وقرىء يدعى من الادعاء مبنيا للفاعل ، وإنما عدي بإلى لأنه ضمن معنى الانتماء والانتساب وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ جملة مقررة لمضمون ما قبلها ، والمعنى لا يهدي من اتصف بالظلم ، والمذكورون من جملتهم .