صديق الحسيني القنوجي البخاري

64

فتح البيان في مقاصد القرآن

الكسائي : أن تقولوا في موضع رفع لأن كبر فعل بمعنى بئس ، ومقتا منتصب على التمييز ، وعلى هذا فيكون في كبر ضمير مبهم مفسر بالنكرة . وأن تقولوا هو المخصوص بالذم ، وقيل : إنه قصد بقوله كبر التعجب ، وقد عده ابن عصفور من أفعال التعجب المبوب لها في النحو وإليه نحا الزمخشري . وقال : هذا من أفصح الكلام وأبلغه ، ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين ، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله ، قال السمين : وهذه قاعدة مطردة ، وهي أن كل فعل يجوز التعجب منه ، يجوز أن يبنى على فعل بضم العين ويجري مجرى نعم وبئس في جميع الأحكام . وقيل : إنه ليس من أفعال الذم ولا من أفعال التعجب ، بل هو مسند إلى أَنْ تَقُولُوا ومقتا تمييز محول عن الفاعل . قال ابن عباس : هذه الآية في القتال وحده ، وهم قوم كانوا يأتون النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فيقول الرجل : قاتلت وضربت بسيفي ولم يفعل فنزلت : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا قال المفسرون : إن المؤمنين قالوا : وددنا أن اللّه يخبرنا بأحب الأعمال إليه ، حتى نعمله ، ولو ذهبت فيه أموالنا وأنفسنا ، فأنزل اللّه هذه الآية ، وانتصاب صفا على المصدرية والمفعول محذوف أي يصفون أنفسهم صفا ، وقيل : هو مصدر في موضع الحال أي صافين أو مصفوفين قرأ الجمهور يُقاتِلُونَ على البناء للفاعل ، وقرأ زيد بن علي على البناء للمفعول ، وقرىء يقتلون بالتشديد . وجملة : كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ في محل نصب على الحال من فاعل يقاتلون أو من الضمير في صفا على تقدير أنه مؤول بصافين أو مصفوفين ، ومعنى مرصوص ملتزق بعضه ببعض ، يقال : رصصت البناء أرصه رصا إذا ضممت بعضه إلى بعض ، وقال الفراء : مرصوص بالرصاص ، قال المبرد : هو مأخوذ من رصصت البناء إذا لا يمت بينه ، وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة ، وقيل : هو من الرصيص وهو ضم الأشياء بعضها إلى بعض ، والتراص التلاصق ، وقيل : المتلائم الأجزاء المستوية ، وقال ابن عباس في الآية : مثبت لا يزول ، ملصق بعضه على بعض ، وقيل : أريد استواء نياتهم في حرب عدوهم ، حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان الذي رص بعضه إلى بعض ، والأول أولى . ولما ذكر تعالى الجهاد المشتمل على المشاق وأنه يحب المقاتلين في سبيله ، ذكر قصتي موسى وعيسى تسلية لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ، ليصبر على أذى قومه ، وبين أنهما أمرا بالتوحيد ، وجاهدا في سبيل اللّه ، وجعل العقاب لمن خالفهما مبتدئا بقصة موسى لتقدمه في الزمان فقال :