صديق الحسيني القنوجي البخاري
6
فتح البيان في مقاصد القرآن
إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ أي ما أمهاتهم إلا النساء اللاتي ولدنهم ، يريد أن الأمهات على الحقيقة الوالدات ، والمرضعات ملحقات بالوالدات بواسطة الرضاع ، وكذا أزواج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لزيادة حرمتهن وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة فلذا زاد سبحانه في توبيخهم وتقريعهم فقال : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً أي وإن المظاهرين ليقولون بقولهم هذا فظيعا من القول ، ينكره الشرع ، والزور : الكذب الباطل ، المنحرف عن الحق وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ أي بليغ العفو والمغفرة إذ جعل الكفارة عليهم ، مخلصة لهم عن هذا القول المنكر ولما ذكر سبحانه الظهار إجمالا ، ووبخ فاعليه ، شرع في تفصيل أحكامه فقال : وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ أي والذين يقولون ذلك القول المنكر الزور ، ويمتنعون بهذا اللفظ من جماعهن ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا أي إلى ما قالوا بالتدارك والتلافي ، كما في قوله : أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ [ النور : 17 ] ، أي إلى مثله ، قال الأخفش : لِما قالُوا وإلى ما قالوا يتعاقبان ، قال : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [ الأعراف : 43 ] وقال : فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 23 ] وقال : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [ الزلزلة : 5 ] وقال : وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ [ هود : 36 ] وقال الفراء : اللام بمعنى عن والمعنى ثم يرجعون عما قالوا ويريدون الوطء ، وقال الزجاج : المعنى ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا . واختلف أهل العلم في تفسير العود المذكور على أقوال ، الأول أنه العزم على الوطء ، وبه قال العراقيون أبو حنيفة وأصحابه . وروي عن مالك : وقيل هو الوطء نفسه ، وبه قال الحسن ، وروي أيضا عن مالك ، وقيل ؛ هو أن يمسكها زوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق ، وبه قال الشافعي ، وقيل : هو الكفارة ، والمعنى أنه لا يستبيح وطأها إلا بكفارة ، وبه قال الليث بن سعد ، وروي عن أبي حنيفة ، وقيل : هو تكرير الظهار بلفظه وبه قال أهل الظاهر وروي عن بكير بن الأشج وأبي العالية والفراء والمعنى ثم يعودون إلى قول ما قالوا وقيل : المعنى يعودون إليه بالنقض والرفع والإزالة وإلى هذا الاحتمال ذهب أكثر المجتهدين وقيل : معنى السكوت عن الطلاق بعد الظهار وقيل : العود الندم أي يندمون فيرجعون إلى الألفة . قال ابن عباس في الآية : هو الرجل يقول لامرأته : أنت علي كظهر أمي فإذا قال ذلك فليس يحل له أن يقربها بنكاح ولا غيره ، حتى يكفر بعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا والمس النكاح فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا وإن هو قال لها أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا فليس يقع في ذلك ظهار حتى يحنث فإن حنث فلا يقربها حتى يكفر : ولا يقع في الظهار طلاق .