صديق الحسيني القنوجي البخاري
590
فتح البيان في مقاصد القرآن
والقول الأول أولى لأن المعنى وإن كان أعم منه وأوسع مما تضمنه لكنه المتبادر عند الإطلاق ، وقد قيل في وجه تخصيص الفلق الإيماء إلى أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه وقيل طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظرا لطلوع الصباح كذلك الخائف يكون مترقبا لطلوع صباح النجاح . وقيل غير هذا مما هو مجرد بيان مناسبة ليس فيها كثير فائدة تتعلق بالتفسير . عن عمرو بن عبسة قال : « صلى بنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقرأ : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقال ابن عبسة أتدري ما الفلق ؟ قلت اللّه ورسوله أعلم قال بئر في جهنم » أخرجه ابن مردويه ، وأخرجه ابن أبي حاتم موقوفا عليه غير مرفوع . وعن عقبة بن عامر قال : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم « اقرأ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ هل تدري ما الفلق ، باب في النار إذا فتح سعرت جهنم » أخرجه ابن مردويه . وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : « سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قول اللّه عز وجل : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ فقال هو سجن في جهنم يحبس فيه الجبارون والمستكبرون وأن جهنم لتتعوذ باللّه منه » أخرجه ابن مردويه والديلمي . وعن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « الفلق جب في جهنم » أخرجه ابن جرير . وهذه الأحاديث لو كانت صحيحة ثابتة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لكان المصير إليها واجبا ، والقول بها متعينا . وعن ابن عباس قال الفلق سجن في جهنم ، وعن جابر بن عبد اللّه قال الفلق الصبح ، وعن ابن عباس أيضا الفلق الخلق . مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ متعلق بأعوذ أي أعوذ باللّه من شر كل ما خلقه من جميع مخلوقاته فيعم جميع الشرور ، فهذا عام وما بعده من الشرور الثلاثة خاص فهو من ذكر الخاص بعد العام ، وقيل هو إبليس وذريته ، وقيل جهنم ، ولا وجه لهذا التخصيص كما أنه لا وجه لتخصيص من خصص هذا العموم بالمضار البدنية . وقد حرف بعض المتعصبين هذه الآية مدافعة عن مذهبه ، وتقويما لباطله ، فقرأ بتنوين شر على أن ما نافية ، والمعنى من شر لم يخلقه ، ومنهم عمرو بن عبيد وعمرو بن فائد ، وفي المدارك قرأ أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى من شر بالتنوين ( وما ) على هذا مع الفعل بتأويل المصدر في موضع الجر بدل من شر أي شر خلقه أي من خلق شر أو ما زائدة انتهى وفيه أيضا بعد وضعف كما ترى .