صديق الحسيني القنوجي البخاري

59

فتح البيان في مقاصد القرآن

شارطا عليهن الشروط الآتية ، وبعد أن بايعهن التزمنها ، ويمكن على بعد أن يقال : التقدير في الآية : إذا جاءك المؤمنات يبايعنك فبايعهن . عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً من الأشياء كائنا ما كان ، وهذا كان يوم فتح مكة ، فإن نساء أهل مكة أتين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبايعنه فأمره اللّه تعالى أن يأخذ عليهن أن لا يشركن به وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ هو ما كانت تفعله الجاهلية من وأد البنات أي دفنهن أحياء لخوف العار والفقر . وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ أي لا يلحقن بأزواجهن ولدا ليس منهم ، قال الفراء كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها . هذا ولدي منك ، فذلك البهتان المفتري بين أيديهن وأرجلهن ، وذلك أن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها ، وليس المراد هنا أنها تنسب ولدها من الزنا إلى زوجها ، لأن ذلك قد دخل تحت النهي عن الزنا ، قال ابن عباس : كانت الحرة تولد لها الجارية فتجعل مكانها غلاما وعنه قال في الآية لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم . وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ أي في كل أمر هو طاعة للّه ، وإحسان إلى الناس ، وكل ما أمر به الشرع ونهى عنه ، والمعروف ما عرف حسنه من قبل الشرع ، قال عطاء : في كل بر وتقوى ، قال ابن عباس : إنما هو شرط شرطه اللّه النساء ، وقال المقاتلان : عنى بالمعروف النهي على النوح ، وتمزيق الثياب ، وجز الشعر ، وشق الجيوب ، وخمش الوجوه ، والدعاء بالويل ، وكذا قال قتادة وسعيد بن المسيب ومحمد بن السائب وزيد بن أسلم ، ومعنى القرآن أوسع مما قالوه مع دخول النوح فيه ، قيل : ووجه التقييد بالمعروف مع كونه صلى اللّه عليه وسلم لا يأمر إلا به التنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق . أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن أميمة بنت رقيقة قالت : « أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم في نساء لنبايعه ، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك باللّه شيئا ، حتى بلغ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ، فقال فيما استطعتن وأطقتن ، فقلنا : اللّه ورسوله أرحم بنا من أنفسنا يا رسول اللّه ، ألا تصافحنا ؟ قال : إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة » « 1 » . وفي الباب أحاديث ، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما : عن عبادة بن الصامت قال : « كنا عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : بايعوني على ألا تشركوا باللّه شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا وقرأ آية النساء ، فمن وفى منكم فأجره على اللّه ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في

--> ( 1 ) أخرجه النسائي في البيعة باب 18 ، 24 ، وابن ماجة في الجهاد باب 43 ، ومالك في البيعة حديث 2 ، وأحمد في المسند 6 / 357 ، 365 .