صديق الحسيني القنوجي البخاري
569
فتح البيان في مقاصد القرآن
الجملة الأولى لنفي العبادة في المستقبل لما قدمنا من أن ( لا ) لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال . والدليل على ذلك أن لن تأكيد لما ينفيه ( لا ) قال الخليل في لن أن أصله ( لا ) فالمعنى لا أعبد ما تعبدون في المستقبل ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أطلبه من عبادة إلهي . ثم قال : ولا أنا عابد ما عبدتم أي ولست في الحال بعابد معبودكم ولا أنتم في الحال بعابدين معبودي وقيل بعكس هذا ، وهو أن الجملتين الأوليتين للحال ، والجملتين الآخرتين للاستقبال بدليل قوله : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ كما لو قال القائل أنا ضارب زيدا وأنا قاتل عمرا ، فإنه لا يفهم منه إلا الاستقبال . قال الأخفش والفراء : المعنى لا أعبد الساعة ما تعبدون ولا أنتم عابدون الساعة ما أعبد ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أعبد . قال الزجاج : نفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بهذه السورة عبادة آلهتهم عن نفسه في الحال وفي المستقبل ، ونفى عنهم عبادة اللّه في الحال ، وفيما يستقبل ، وقيل إن كل واحد منهما يصلح للحال والاستقبال ولكنا نخص أحدهما بالحال والثاني بالاستقبال رفعا للتكرار . وكل هذا فيه من التكلف والتعسف ما لا يخفى على منصف ، فأن جعل قوله لا أعبد ما تعبدون للاستقبال وإن كان صحيحا على مقتضى اللغة العربية ولكنه لا يتم جعل قوله : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ للاستقبال لأن الجملة الاسمية تفيد الدوام والثبات في كل الأوقات فدخول النفي عليها يرفع ما دلت عليه من الدوام والثبات في كل الأوقات ، ولو كان حملها على الاستقبال صحيحا للزم مثله في قوله : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وفي قوله : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ فلا يتم ما قيل من حمل الجملتين الآخرتين على الحال . وكما يندفع هذا ينفع ما قيل من العكس لأن الجملة الثانية والثالثة والرابعة كلها جمل اسمية مصدرة بالضمائر التي هي المبتدأ في كل واحد منها مخبر عنها باسم الفاعل العامل فيها بعده منفية كلها بحرف واحد وهو لفظ لا في كل واحد منها فكيف يصح القول مع هذا الاتحاد بأن معانيها في الحال والاستقبال مختلفة . وأما قول من قال إن كل واحد منها يصلح للحال والاستقبال فهو إقرار منه بالتكرار ، لأن حمل هذا على معنى ، وحمل هذا على معنى ، مع الاتحاد يكون من باب التحكم الذي لا يدل عليه دليل . وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن القرآن نزل بلسان العرب ، ومن مذاهبهم التي لا تجحد ، واستعمالاتهم التي لا تنكر ، أنهم إذا أرادوا التأكيد كرورا كما أن من مذاهبهم