صديق الحسيني القنوجي البخاري
555
فتح البيان في مقاصد القرآن
الشام في الصيف لأنها بلاد باردة ، وروي أنهم كانوا يشتون بمكة ويصيفون في الطائف والأول أولى فإن ارتحال قريش للتجارة معلوم معروف في الجاهلية والإسلام . قال ابن قتيبة إنما كانت تعيش قريش بالتجارة ، وكانت لهم رحلتان كل سنة رحلة في الشتاء إلى اليمن ، ورحلة في الصيف إلى الشام ، ولولا هاتان الرحلتان لم يمكن بها مقام ، ولولا الأمن بجواز البيت لم يقدروا على التصرف . قال ابن عباس في الآية نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ، كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف ، وعنه قال إيلافهم لزومهم ، وقيل رحلة اسم جنس وكانت لهم أربع رحلات وجعله بعضهم غلطا ، وليس كذلك وأول من سن لهم الرحلة هاشم بن عبد مناف . فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ أمرهم سبحانه بعبادته بعد أن ذكر لهم ما أنعم به عليهم أي إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الخاصة المذكورة ، والبيت الكعبة وعرفهم سبحانه بأنه رب هذا البيت لأنها كانت لهم أوثان يعبدونها ، فميز نفسه عنها وقيل لأنهم شرفوا بالبيت على سائر العرب فذكر لهم ذلك تذكيرا لنعمته . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ أي أطعمهم بسبب تينك الرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما ، وقيل إن هذا الاطعام هو إنهم لما كذبوا النبي صلى اللّه عليه وسلم دعا عليهم فقال : « اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف » « 1 » ، فاشتد القحط فقالوا يا محمد ادع اللّه لنا فإنا مؤمنون فدعا فأخصبوا وزال عنهم الجوع وارتفع القحط ، قال ابن عباس يعني قريشا أهل مكة بدعوة إبراهيم حيث قال : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ [ البقرة : 126 ] . وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ أي من خوف شديد كانوا فيه ، قال ابن زيد كانت العرب يغير بعضها على بعض ويسبي بعضها بعضا فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم . وقال الضحاك والربيع وشريك وسفيان آمنهم من خوف الحبشة مع الفيل ، وقال ابن عباس من الجذام وعنه في الآية قال آمنهم من خوف حيث قال إبراهيم رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [ البقرة : 126 ] قال ابن عباس نهاهم عن الرحلة وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيت ، وكفاهم المؤنة وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف ولم تكن
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 128 ، والاستسقاء باب 2 ، والجهاد باب 98 ، والأنبياء باب 19 ، وتفسير سورة 3 ، باب 9 ، وسورة 4 ، باب 21 ، ومسلم في المساجد حديث 294 ، 295 ، وأبو داود في الوتر باب 10 ، والنسائي في التطبيق باب 27 ، وابن ماجة في الإقامة باب 145 ، والدارمي في الصلاة باب 216 ، وأحمد في المسند 2 / 239 ، 255 ، 270 ، 418 ، 470 ، 502 ، 521 .