صديق الحسيني القنوجي البخاري
543
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل هو قسم بعصر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم . قال الزجاج : قال بعضهم معناه ورب العصر والأول أولى وبه قال ابن عباس ، وعنه هو ساعة من ساعات النهار ، وقال أيضا هو ما قبل مغيب الشمس من العشي . وأخرج الفريابي وأبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن علي بن أبي طالب « أنه كان يقرأ والعصر ونوائب الدهر إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ وأنه فيه إلى آخر الدهر » وعن ابن مسعود أيضا أنه كان يقرأ « إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ وأنه لفيه إلى آخر الدهر » ، أخرجه عبد بن حميد . إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ هذا جواب القسم ، والخسر والخسران النقصان وذهاب رأس المال ، والمعنى أن كل إنسان في المتاجر والمساعي وصرف الأعمار في أعمال الدنيا لفي نقص وضلال عن الحق حتى يموت ، وقيل المراد بالإنسان الكافر ، وقيل جماعة من الكفار وهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب بن أسد ، والأول أولى لما في لفظ الإنسان من العموم ، ولدلالة الاستثناء عليه . قال الأخفش : في خسر في هلكة ، وقال الفراء : في عقوبة ، وقال ابن زيد : لفي شر ، وقيل لفي نقص ، والمعاني متقاربة ، قرأ الجمهور وَالْعَصْرِ بسكون الصاد وقرىء بكسر الصاد وقرأ الجمهور أيضا خُسْرٍ بضم الخاء وسكون السين وقرىء بضمهما . والتنكير في خسر يفيد التعظيم أي في خسر عظيم لا يعلم كنهه إلا اللّه ، فقد جعل الانسان معمورا في الخسر للمبالغة وأنه أحاط به من كل جانب لأن كل ساعة تمر بالإنسان فإن كانت مصروفة إلى المعصية فلا شك في الخسر ، وإن كانت مشغولة بالمباحثات فالخسران أيضا حاصل ، وإن كانت مشغولة بالطاعات فهي غير متناهية ، وترك الأعلى والاقتصار على الأدنى نوع خسران ، ولا ينافيه قوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : 4 ] لأن الكلام ثمّ في أحوال البدن وهنا في أحوال النفس . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي جمعوا بين الإيمان باللّه والعمل الصالح فإنهم في ربح لا في خسر ، لأنهم عملوا للآخرة ولم تشغلهم أعمال الدنيا عنها ، والاستثناء متصل ، ومن قال إن المراد بالإنسان الكافر فقط فيكون منقطعا ، ويدخل تحت هذا الاستثناء كل مؤمن ومؤمنة ، ولا وجه لما قيل إن المراد الصحابة أو بعضهم فإن اللفظ عام لا يخرج عنه أحد ممن يتصف بالإيمان والعمل الصالح . وَتَواصَوْا أي أوصى بعضهم بعضا بِالْحَقِّ الذي يحق القيام به وهو الإيمان باللّه والتوحيد والقيام بما شرعه اللّه ، واجتناب ما نهى عنه ، قال قتادة بالحق أي بالقرآن وقيل بالتوحيد والحمل على العموم أولى . وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ عن معاصي اللّه سبحانه وعلى فرائضه وعلى البلايا ، وفي