صديق الحسيني القنوجي البخاري
539
فتح البيان في مقاصد القرآن
منفيا وهذا مثبت ، ولأنه عطف عليه ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ وهو مستقبل لا بد من وقوعه ، قال وحذف جواب لَوْ كثير ، والخطاب لكفار ، وقيل عام كقوله : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [ مريم : 71 ] . قرأ الجمهور لترون بفتح التاء مبنيا للفاعل وقرىء بضمها مبنيا للمفعول ، والرؤية هنا بصرية فلذلك تعدت إلى مفعول واحد . [ سورة التكاثر ( 102 ) : الآيات 7 إلى 8 ] ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ( 7 ) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ( 8 ) ثم كرر الوعيد والتهديد للتأكيد فقال : ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ أي ثم لترون الجحيم الرؤية التي هي نفس اليقين ، وهي المشاهدة والمعاينة ، وقيل المعنى لترون الجحيم بأبصاركم على البعد منكم ثم لترونها مشاهدة على القرب ، وقيل المراد بالأول رؤيتها قبل دخلوها ، وبالثاني رؤيتها حال دخولها ، وقيل هو إخبار عن دوام بقائهم في النار أي هي رؤية دائمة متصلة ، وقيل المعنى لو تعلمون اليوم علم اليقين وأنتم في الدنيا لترون الجحيم بعيون قلوبكم ، وهو أن تتصوروا أمر القيامة وأهوالها . ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ أي عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة ، وثم للترتيب الإخباري لا المعنوي ، لأن السؤال قبل رؤية الجحيم . قال قتادة : يعني كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير والنعمة فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه ، ولم يشكروا رب النعم حيث عبدوا غيره وأشركوا به ، قال الحسن : لا يسأل عن النعم إلا أهل النار . وقال قتادة : إن اللّه سبحانه سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه وهذا هو الظاهر ولا وجه لتخصيص النعيم بفرد من الأفراد ، أو نوع من الأنواع ، لأن تعريفه للجنس أو للاستغراق . ومجرد السؤال لا يستلزم تعذيب المسؤول على النعمة التي سئل عنها فقد يسأل اللّه المؤمن عن النعم التي أنعم بها عليه فيم صرفها وبم عمل فيها ليعرف تقصيره وعدم قيامه بما يجب عليه من الشكر . قيل السؤال عن الأمن والصحة ، وقيل عن الصحة والفراغ ، وقيل عن الإدراك بالحواس ، وقيل عن ملاذ المؤكول والمشروب ، وقيل عن الغداء والعشاء ، وقيل عن بارد الشراب وظلال المساكن ، وقيل عن اعتدال الخلق ، وقيل عن لذة النوم ، وقيل غير ذلك والأولى العموم كما ذكرنا . وعن ابن عباس في الآية قال صحة الأبدان والأسماع والأبصار ، وهو أعلم