صديق الحسيني القنوجي البخاري

537

فتح البيان في مقاصد القرآن

الثانية فمن بكى فله الجنة ، ومن لم يقدر أن يبكي فليتباك » أخرجه البيهقي في الشعب وضعفه ، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة التكاثر ( 102 ) : الآيات 1 إلى 6 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ( 2 ) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 ) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 5 ) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 ) أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ أي شغلكم التباري في التكاثر بالأموال والأولاد ، والتباهي والتفاخر بكثرتها عن طاعة اللّه تعالى والتغالب فيها ، يقال ألهاه عن كذا وأقهاه إذا شغله ، وقال الحسن معناه أنساكم حتى أدرككم الموت وأنتم على تلك الحال ، وقال قتادة إن التكاثر التفاخر بالقبائل والعشائر ، وقال الضحاك ألهاكم التشاغل بالمعاش وقيل المعنى متم ودفنتم في المقابر والمقابر جمع مقبرة وقال مقاتل وقتادة أيضا وغيرهما نزلت في اليهود حين قالوا نحن أكثر من بني فلان ، وبنو فلان أكثر من بني فلان ، ألهاكم ذلك حتى ماتوا . وقال الكلبي : نزلت في حيين من قريش بني عبد مناف وبني سهم وتعادوا أو تكاثروا بالسيادة والإشراف في الإسلام ، فقال كل حي منهم نحن أكثر سيدا وأعز عزيزا وأعظم نفرا وأكثر قائدا فكثر بنو عبد مناف بني سهم ، ثم تكاثروا بالأموات فكثرتهم بهم ، فنزلت أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ فلم ترضوا حتى زرتم المقابر مفتخرين بالأموات . وعن أبي بردة في الآية قال : « نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحرث تفاخروا وتكاثروا فقالت إحداهما فيكم مثل فلان وفلان ، وقال الآخرون مثل ذلك تفاخروا بالأحياء ثم قالوا انطلقوا بنا إلى القبور ، فجعلت إحدى الطائفتين تقول فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبر ، ومثل فلان وفعل الآخرون مثل ذلك فأنزل اللّه هذه الآية » أي لقد كان لكم فيما زرتم عبرة وشغل ، أخرجه ابن أبي حاتم . وفي الآية دليل على أن الاشتغال بالدنيا والمكاثرة بها والمفاخرة فيها من الخصال المذمومة ، والشرع دل على أن التكاثر والتفاخر في السعادات الحقيقة غير مذموم ، فيجوز للإنسان أن يفتخر بطاعاته وحسن أخلاقه إذا كان يظن أن غيره يقتدي به . وقال سبحانه أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ولم يقل عن كذا بل أطلقه لأن الإطلاق أبلغ في الذم لأنه يذهب فيه الوهم كل مذهب ، فيدخل فيه جميع ما يحتمله المقام ، لأن حذف المتعلق مشعر بالتعميم كما تقرر في علم البيان . والمعنى أنه شغلكم التكاثر عن علم كل شيء يجب عليكم الاشتغال به من طاعة اللّه .