صديق الحسيني القنوجي البخاري
535
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ أي رجحت سيئآته على حسناته أو لم تكن له حسنات يعتد بها فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ أي فمسكنه جهنم وسماها أمه لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أمه ، والهاوية من أسماء جهنم ، وهي آخر الطبقات السبع وسميت هاوية لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها ، والمهوى والمهواة ما بين الجبلين ، وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط بعضهم في إثر بعض . قال قتادة يعني فمصيره إلى النار ، قال عكرمة لأنه يهوي فيها على أم رأسه ، قال الأخفش أمه مستقرة ، قال ابن عباس هاوية كقوله هوت أمه ، وعن عكرمة قال أم رأسه هاوية في جهنم . قال الخطيب أي نار نازلة سافلة جدا فهو بحيث لا يزال يهوي فيها نازلا فهو في عيشة ساخطة فالآية من الاحتباك : ذكر العيشة أولا دليلا على حذفها ثانيا وذكر الأم ثانيا دليلا على حذفها أولا . وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه ما فعل فلان ، ما فعلت فلانة فإذا كان مات ولم يأتهم قالوا خولف به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية » وأخرج ابن مردويه من حديث أبي أيوب الأنصاري نحوه ، وأخرج ابن المبارك من حديثه نحوه أيضا . وبقي قسم ثالث غير مذكور في الآية وهو من استوت حسناته وسيئآته ، قال المناوي من رجحت حسناته بسبب زيادتها على السيئات فهو في الجنة بغير حساب ، ومن استوت حسناته وسيئآته فيحاسب حسابا يسيرا ، ومن رجحت سيئآته على حسناته أي بسبب زيادتها فيشفع فيه أو يعذب . وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ هذا الاستفهام للتهويل والتفظيع ببيان أنها خارجة عن المعهود بحيث لا تحيط بها علوم البشر ، ولا تدري كنهها ، والضمير يعود إلى الهاوية والهاء للسكت . ثم بينها سبحانه بقوله : نارٌ حامِيَةٌ أي قد انتهى حرها وبلغ في الشدة إلى الغاية ، وارتفاع نار على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي نار حامية ، نعوذ باللّه منها .