صديق الحسيني القنوجي البخاري

530

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً أي التي تغير على العدو وقت الصباح ، يقال أغار يغير إغارة إذا باغت عدوه لقتل أو أسر أو نهب ، وأسند الإغارة إليها وهي لأهلها للإشعار بأنها عمدتهم في إغارتهم ، وصبحا منصوب على الظرفية قال ابن عباس صبحت القوم بغارة . وعنه قال هي الخيل أغارت فصبحت العدو ، وعنه قال إذا أصبحت العدو ، وعنه قال الخيل تصبح العدو ، وقال أيضا غارت الخيل صبحا ، وقال ابن مسعود حين يفيضون من جمع ، وإنما أقسم اللّه عز وجل بخيل الغزاة تنبيها على فضلها وفضل رباطها في سبيل اللّه ، ولما فيها من المنافع الدينية والدنيوية والأجر والغنيمة . فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً معطوف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل إذ المعنى واللاتي غدرن فأثرن أو على اسم الفاعل نفسه لكونه في تأويل الفعل لوقوعه صلة للموصول فإن الألف واللام في الصفات أسماء موصولة ، فالكلام في قوة واللاتي غدرن فأورين فأغرن فأثرن ، والنقع الغبار الذي أثارته في وجه العدو عند الغزو . وتخصيص إثارته بالصبح لأنه وقت الإغارة ولكونه لا يظهر أثر النقع في الليل الذي اتصل به الصبح . وقيل المعنى فأثرن بمكان عدوهن نقعا يقال ثار النقع وأثرته أي هاج وهيجته . قرأ الجمهور فأثرن بتخفيف الثاء وقرىء بتشديدها أي فأظهرن غبارا ، وقال أبو عبيدة النقع رفع الصوت ، وعلى هذا رأيت قول أكثر أهل العلم ، انتهى . والمعروف عند جمهور أهل اللغة والمفسرين أن النقع الغبار ، وهذا هو المناسب لمعنى الآية وليس لتفسير النقع بالصوت فيها كثير معنى ، فإن قولك أغارت الخيل على بني فلان صبحا فأثرن به صوتا قليل الجدوى مغسول المعنى ، بعيد من بلاغة القرآن المعجزة . وقيل النقع شق الجيوب ، وقال محمد بن كعب : النقع ما بين مزدلفة إلى منى ، وقيل إنه طريق الوادي ، قال في الصحاح : النقع الغبار والجمع انقاع والنقع محبس الماء وكذلك ما اجتمع في البئر منه . والنقع الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء . قال ابن عباس في الآية : أثارت بحوافرها التراب وقال أيضا : هي الخيل أثرن بحوافرها يقول بعدو الخيل والنقع الغبار . وعنه قال التراب وقال أيضا نقعا غبارا وقال ابن مسعود : إذا سرن يثرن التراب . فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً أي توسطن بذلك الوقت أو توسطن متلبسات بالنقع جمعا من جموع الأعداء أو صرن بعدوهن وسط جمع الأعداء ، والباء إما للتعدية أو للحالية أو زائدة يقال وسطت القوم والمكان أسط وسطا من باب وعد إذا توسطت بين ذلك . والفاعل واسط وبه سمي البلد المشهور بالعراق لأنه توسط الإقليم . تقول جلست