صديق الحسيني القنوجي البخاري

507

فتح البيان في مقاصد القرآن

عليه وآله وسلم وتولى عن الإيمان ، وقوله : أَ رَأَيْتَ في الثلاثة المواضع بمعنى أخبرني ، لأن الرؤية لما كانت سببا للأخبار عن المرئي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستفهام عن متعلقها ، والخطاب لكل من يصلح له . وقد ذكر هنا أرأيت ثلاث مرات ، وصرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية فيكون في موضع المفعول الثاني لها ، ومفعولها الأول محذوف وهو ضمير يعود على الذي ينهى الواقع مفعولا أول لأرأيت الأولى ، ومفعول أرأيت الأولى الثاني محذوف وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت الثانية ، وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثان ، حذف الأول للدلالة مفعول أرأيت الثالثة عليه ، فقد حذف الثاني من الأولى ، والأول من الثالثة ، والاثنان من الثانية ، وليس طلب كل من رأيت للجملة الاستفهامية على سبيل التنازع ، لأنه يستدعي إضمارا ، والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات ، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة . وأما جواب الشرط المذكور مع أرأيت في الموضعين الأخيرين فهو محذوف تقديره إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى . أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني ، ومعنى ألم يعلم الخ أي ألم يطلع على أحواله فيجازيه بها فكيف اجترأ على ما اجترأ عليه ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، وقيل أرأيت الأولى مفعولها الأول الموصول ومفعولها الثاني الشرطية الأولى بجوابها المحذوف المدلول عليه بالمذكور ، وأرأيت في الموضعين تكرير للتأكيد ، وقيل كل واحد من أرأيت بدل من الأولى ، وألم يعلم بأن اللّه يرى : الخبر . كَلَّا ردع للناهي ومنع له عن نهيه ، واللام في لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ هي الموطئة للقسم أي واللّه لئن لم ينته عما هو عليه ولم ينزجر لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ السفع الجذب الشديد ، ويقال سفعت الشيء إذا قبضته وجذبته ، ويقال سفع بناصية فرسه . قال الراغب : السفع الأخذ بسفعة الفرس أي بسواد ناصيته ، وباعتبار السواد قيل به سفعة غضب ، اعتبارا بما يعلو من اللون الدخاني من اشتد به الغضب ، وقيل للصقر أسفع لما فيه من لمع السواد ، أو امرأة سفعاء اللون . انتهى . وقيل مأخوذ من سفعته النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى سواد ، والمعنى لنأخذن بناصيته ولنجرنه إلى النار ، وهذا كقوله : فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ [ الرحمن : 41 ] وقيل في الدنيا يوم بدر فقد جره المسلمون إلى القتل فقتله ابن مسعود وهو طريح بين الجرحى وبه رمق وهو يخور ، وعبر بالناصية عن جميع الشخص ، واكتفى بتعريف العهد عن الإضافة لأنه علم أنها ناصية الناهي .