صديق الحسيني القنوجي البخاري
498
فتح البيان في مقاصد القرآن
بالسريانية وقال مجاهد والكلبي سينين كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسينا بلغة النبط ، قال الأخفش طور جبل وسينين شجر ، واحدته سينة . قال أبو علي الفارسي سينين فعليل فكررت اللام التي هي نون فيه ولم ينصرف سينين كما لم ينصرف سينا لأنه جعل اسما للبقعة . وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام وهي الأرض المقدسة كما في قوله : إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ [ الإسراء : 1 ] وأعظم بركة حلت به ووقعت عليه تكليم اللّه لموسى عليه السلام ، قرأ الجمهور سِينِينَ بكسر السين وقرىء بفتحها وهي لغة بكر وتميم ، وقرىء سيناء بالكسر والمد ، وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني على عادة العرب في تلاعبها بالأسماء العجمية . وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ يعني مكة سماه أمينا لأنه آمن كما قال اللّه تعالى أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً [ العنكبوت : 67 ] يقال أمن الرجل أمانة فهو أمين ، قال الفراء وغيره الأمين بمعنى الآمن أو فعيل بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل ، قال ابن عباس أي مكة يعني لأمن الناس فيها جاهلية وإسلاما . لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ هذا جواب القسم أي خلقنا جنس الإنسان كائنا في أحسن تقويم وتعديل لصورته ، وقال ابن عباس في أحسن خلق . قال الواحدي قال المفسرون : إن اللّه خلق كل ذي روح مكبا على وجهه إلا الإنسان خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده ، مزينا بالعلم والفهم والنطق والعقل ، والتمييز والأدب ، فهو أحسن الخلق بحسب الظاهر والباطن ، ومعنى التقويم التعديل يقال قومته فاستقام والمراد القوام لأن التقويم فعل الباري تعالى . قال القرطبي هو اعتداله واستواء شأنه ، كذا قال عامة المفسرين ، قال ابن العربي : ليس للّه تعالى خلق أحسن من الإنسان فإن اللّه خلقه حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما ، وهذه صفات الرب سبحانه وعليها حمل بعض العلماء قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم « إن اللّه خلق آدم على صورته » « 1 » يعني على صفاته التي تقدم ذكرها . قلت وينبغي أن يضم إلى كلامه هذا قوله سبحانه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] وقوله : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [ طه : 110 ] . ومن أراد أن يقف على حقيقة ما اشتمل عليه الإنسان من بديع الخلق وعجيب
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الاستئذان باب 1 ، ومسلم في البر حديث 115 ، والجنة حديث 28 ، وأحمد في المسند 2 / 244 ، 251 ، 315 ، 323 ، 434 ، 463 ، 519 .