صديق الحسيني القنوجي البخاري
495
فتح البيان في مقاصد القرآن
قرأ الجمهور بسكون السين في العسر واليسر في الموضعين ، وقرىء بضمها في الجميع وفيه خلاف هل هو أصل أو مثقل من المسكن . وعن الحسن قال : « خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما فرحا مسرورا وهو يضحك ويقول لن يغلب عسر يسرين فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً » أخرجه عبد الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقي ، وهذا مرسل وروي نحوه مرفوعا مرسلا عن قتادة . ولما عدد سبحانه عليه - صلى اللّه عليه وسلم - نعمه السالفة ووعده بالنعم الآتية بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة فقال : فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ أي إذا فرغت من صلاتك أو من التبليغ أو من الغزو فاجتهد في الدعاء واطلب من اللّه حاجتك ، أو فانصب في العبادة أو اتعب في الدعاء قبل السلام وبعده ، والنصب التعب يقال نصب ينصب نصبا أي تعب . قال قتادة والضحاك ومقاتل والكلبي : إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء وارغب إليه في المسألة يعطك ، وكذا قال مجاهد . قال الشعبي إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك ، وكذا قال الزهري وقال الكلبي أيضا إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب أي وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [ محمد : 19 ] . وقال الحسن وقتادة وزيد بن أسلم : إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربك ، وفيه نظر ، لأن السورة مكية والأمر بالجهاد إنما كان بعد الهجرة فلعله تفسير الذاهب إلى أن السورة مدنية ، قال مجاهد أيضا : إذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك . وقال ابن عباس : إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء واسأل اللّه وارغب إليه ، وعنه قال : قال اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا فرغت من الصلاة وتشهدت فانصب إلى ربك واسأله حاجتك . وعن ابن مسعود قال : فانصب إلى الدعاء وإلى ربك فارغب في المسألة ، وعنه قال إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل ، قال عمر بن الخطاب : إني أكره أن أرى أحدكم فارغا لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة . وَإِلى رَبِّكَ المحسن إليك بفضائل النعم خصوصا بما ذكر في هاتين السورتين فَارْغَبْ أي اجعل رغبتك إليه خصوصا ولا تسأل إلا فضله متوكلا عليه ، وقيل تضرع إليه ، قال الزجاج أي اجعل رغبتك إلى اللّه وحده وقال عطاء يريد أنه يضرع إليه راهبا من النار ، راغبا في الجنة . والمعنى أنه يرغب إليه سبحانه لا إلى غيره كائنا من كان فلا يطلب حاجاته إلا منه ، ولا يعول في جميع أموره إلا عليه ، قرأ الجمهور فَارْغَبْ وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة فرغب بتشديد الغين أي فرغب الناس إلى اللّه وشوقهم إلى ما عنده من الخير .