صديق الحسيني القنوجي البخاري

493

فتح البيان في مقاصد القرآن

الموضعين وعنك في موضع تفيد إبهام المشروح والموضوع والمرفوع ثم توضيحه . والإيضاح بعد الإبهام أوقع في الذهن ، قال الحسن وذلك أن اللّه لا يذكر مع موضع إلا ذكر صلى اللّه عليه وسلم معه . قال قتادة : رفع اللّه ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد ؛ ولا صاحب صلاة إلا ينادي فيقول أشهد أن لا إله إلا اللّه أشهد أن محمدا رسول اللّه ، قال مجاهد يعني بالتأذين ، وعبارة الخطيب تذكر معي في الأذان والإقامة والتشهد ويوم الجمعة على المنابر ويوم الفطر ، ويوم الأضحى ، ويوم عرفة وأيام التشريق وعند الجمار وعلى الصفا والمروة ، وفي خطبة النكاح ومشارق الأرض ومغاربها ، ولو أن رجلا عبد اللّه وصدق بالجنة والنار وكل شيء ولم يشهد أن محمدا رسول اللّه لم ينتفع بشيء وكان كافرا انتهى . وقيل المعنى ذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك وأمرناهم بالبشارة بك ، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه ، وقيل رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وعند المؤمنين في الأرض ، ونرفع ذكرك في الآخرة بما نعطيك من المقام المحمود وكرائم الدرجات وجلائل المراتب ، قال الضحاك لا تقبل صلاة إلا به ولا تجوز خطبة إلا به . وقيل رفع ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به والإقرار بفضله . والظاهر أن هذا الرفع لذكره الذي امتن اللّه به عليه يتناول جميع هذه الأمور ، فكل واحد منها من أسباب رفع الذكر ، وكذلك أمره بالصلاة والسلام عليه وإخباره صلى اللّه عليه وآله وسلم عن اللّه عز وجل أن من صلى عليه واحدة صلى اللّه عليه بها عشرا . وكم من موضع في القرآن يذكر فيه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مع اللّه سبحانه من ذلك قوله تعالى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [ التوبة : 62 ] وأمر اللّه بطاعته صلى اللّه عليه وآله وسلم كقوله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ النساء : 59 ] وقوله : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] وقوله : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] وغير ذلك . وبالجملة فقد ملأ ذكره الجميل السماوات والأرضين ، وجعل اللّه له من لسان الصدق والذكر الحسن والثناء الصالح ما لم يجعله لأحد من عباده ، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله عدد ما صلى عليه المصلون بكل لسان في كل زمان . وما أحسن قول حسان رضي اللّه تعالى عنه : أغر عليه للنبوة خاتم * من اللّه مشهور يلوح ويشهد « 1 »

--> ( 1 ) الأبيات من الطويل ، وهي في ديوان حسان بن ثابت ص 338 ، والبيت الثالث في خزانة الأدب 1 / 223 .